“القضاء و الإعلام يشتركان في السعي إلى كشف الحقيقة، هذا ما صرح به الرئيس السابق للهيئة الوقتية للقضاء العدلي، القاضي خالد العياري”، في إشارة منه إلى التوافق الظاهر على الأقل بين القطاعين . لكن المتأمل في واقع الأمور يلاحظ التوتر الواضح بين السلطة القضائية من جهة و السلطة “الرابعة” من جهة أخرى. و قد تصاعد هذا التوتر  في الآونة الأخيرة على إثر صدور أحكام قضائية شغلت الرأي العام و أحدثت جدلا فقهيا هاما حول مدى مشروعية التعليق على أعمال القضاء

في نفس هذا الإطار، علقت رئيسة جمعية القضاة روضة القرافي قائلة بأن “التعددية ليست كثرة وسائل الإعلام، لكن التعددية تعني أن تكون المنابر الإعلامية متعددة ومتوازنة“. في حين تشبث أهل الصحافة و الإعلام بحقهم في التعرض إلى كل المواضيع المطروحة في الفضاء العام بما في ذلك أحكام القضاء. و تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى كون هذا الجدل يعد جديدا و مستحدثا في السياق التونسي . و يعود ذلك إلى غياب أي إمكانية لنقد القضاء قبل ثورة 17 ديسمبر /14جانفي 2011 في ظل نظام يحد من الحريات بشكل كبيرا

لكن تغير المعطيات أدى إلى سن جملة من القوانين المكرسة لحرية الرأي و التعبير صلب دستور 2014 و المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة و غيرها من القوانين المتناغمة مع التوجه الجديد للسلطة السياسية القائمة على نفس ثوري و المتجهة إلى توفير مناخ من الحرية في شتى المجالات. و الملاحظ هنا أن التوسيع في مجال حرية الرأي و التعبير قابلته جملة من الحواجز و العراقيل التي حدت من مجال انطباقه نظرا لتنازعه مع غيره من  الحريات  سواء شخصية كانت أو عامة

و لعل من أبرز الأمثلة لهذا التنازع مسألة التعليق على أحكام القضاء التي رأى فيها البعض  خرقا لمبدأ أساسي يقوم عليه النظام الديمقراطي و هو مبدأ استقلالية القضاء و حياده الناتج بدوره عن احترام مبدأ الفصل بين السلط المكرس صراحة بدستور 2014.في حين رأى البعض الآخر انها تمثل تجسيدا لحرية الرأي و التعبير المكرسة أيضا صلب دستور 2014. هذه الآراء المتباينة تدفعنا إلى طرح جملة من الأسئلة التي لا يقل أحدها أهمية عن الآخر

هل أن أعمال القضاء منزهة عن كل تعليق إيجابيا كان سلبيا ؟ و هل يمثل ذلك مساسا  من استقلالية القضاء و ضربا للنظام الديمقراطي ؟

ألا يعد ذلك في الجهة المقابلة مساسا بحرية الصحافة و التعبير ؟ أم يكون المنع في هذا الميدان بالخصوص استثناء للمبدأ العام نظرا لمساسه بالأمن العام ؟

إشكاليات عديدة قد تكون أهم من الإجابات المراد الوصول إليها لما تحمله في طياتها من دعوة إلى التفكير الجاد و المتمعن في هذه المسألة إعتمادا على النصوص التشريعية و الآراء الفقهية مع الإستنارة بالقوانين المقارنة في هذا المجال

و نظرا لتشعب الموضوع و تعدد مجالات البحث فيه سنتناول هذا الإشكال من زاوية نظر محددة تتمثل في البحث عن موقف المشرع التونسي من التعليق على أحكام القضاء. و هو ما يدفعنا إلى التساؤل

كيف ينظم المشرع التونسي التعليق على أعمال القضاء؟

لا بد من الإقرار بداية بغياب نص جزائي يجرم صراحة التعليق على أعمال القضاء بشكل مطلق و إنما وردت نصوص تجرم “إهانة أو سب أو قذف المحكمة أو قضاتها” و هو أمر منطقي في الواقع يدفعنا إلى التمييز بين التعليق”الموضوعي” و غيره من الممارسات التي لا ترقى إلى مرتبة التعليق أساسا .فإذا استندنا إلى مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات قلنا بأن القاضي الجزائي لا يستطيع التوسيع حيث ضيق القانون فهو غير قادر على اعتماد القياس أو فرض عقوبات و جرائم جديدة . و كنتيجة لما سبق ذكره لا يكون التعليق موجبا للعقاب إلا إذا تحول إلى وسيلة للثلب و قذف القضاة . في المقابل يكون التعليق “العلمي” و “الموضوعي” جائزا”

هل يمس انتقاد الأحكام القضائية من استقلالية القضاء؟

مبدئيا يمكن الإقرار بأن انتقاد أعمال القضاء يمس من استقلالية الجهاز القضائي حيث تسلط موجة من الضغط الإعلامي و السياسي على حد السواء على القاضي مما يمكن أن يؤثر على سير القضية و فحوى الحكم النهائي . هذا الرأي لا يخلو من الوجاهة ، لكن ذلك لا ينفي دور هذا الضغط المجتمعي في مزيد تحمل القاضي لمسؤوليته فهو ليس منزها عن المحاسبة بل هو مسؤول أمام القانون و المجتمع المدني

هل يحد منع التعليق على أحكام القضاء من حرية الصحافة و التعبير ؟

يضمن الدستور التونسي حرية الرأي و التعبير و كنتيجة طبيعية لذلك اتجه رأي أول إلى اعتبار هذا المنع خرقا لأحكام الدستور و تعارضا مع مناخ الحرية الناشئ في البلاد بعد ثورة 2014. في المقابل اعتبر رأي آخر أن الأمر يتعلق بالنظام العام لأن الجدل حول أحكام القضاء من شأنه أن يحد من ثقة الرأي العام في الجهاز القضائي الذي يمثل السلطة الوحيدة المخول لها قانونا فض النزاعات بين المتخاصمين

يجوز التعليق على أحكام القضاء ، لكن

لا بد من الإقرار بان التعليق على أحكام القضاء يعد من قبيل الحق الذي لا يجب التعسف في استعماله .وهو رأي القاضي أحمد الرحموني الذي يرى بأن النقد جائز ما لم يتجاوز شروطا معينة تتعلق أساسا باعتماد معايير علمية  تهم أصل المسألة و لا تطال القضاة في ذواتهم . لكن هذا الرأي يقودنا لجملة من التساؤلات تتعلق أساسا بالجهة المخولة لتحديد هذه المعايير و ضبطها . و هل يمكن باتباع هذا التمشي حصر حق التعليق على أعمال القضاء في رجال القانون نظرا لمؤهلاتهم القانونية فيما يمنع ذلك على غيرهم من الصحفيين أو عامة الناس ؟

 

Advertisements