سؤال قد تبدو إجابته  بسيطة للوهلة الأولى إلا أنها معقدة و يمكن أن تفرز تأويلات متعددة و مختلفة، و لكن قد تكون الإجابة عن هذا السؤال عملية إنقاذ للذاكرة الوطنية من إن تشيبها لعنة إدمان الأكاذيب و الإعراض عن قول الحق فنحن نسعى لفهم واقعنا كما هو حتى نستخلص الدرس و العبرة. و حتى يتسنى لنا إصلاحه و نجيب بدوره عن سؤال آخر ألا و هو لماذا هُزمنا حين هَزمنا ؟

نزعة ” الكراسي “

throne-copy

نشهد اليوم أزمة ثقة و إتساعا لفجوتها بين الدولة بسلطاتها الثلاث و سياسيّيها من جهة و مع مواطنيها من جهة أخرى. و هذا نتاج لنزعة كل من  بيده سلطة إلى الإفراط في استعمالها و الخروج بها من دائرة العقلانية إلى دائرة الفطرة و الأهواء

 فاليوم نفقد ثقتنا في من يحكمنا لأن الأقنعة سقطت و انقشع الستار و اتضح لنا بجلاء أن ساستنا المنتخبين ليسوا إلا متسابقين حول الظفر بالمقعد السياسي. تسيطر عليهم نزعة “الكراسي” و تتملكهم كأحد الطقوس الدينية التي يعبدونها ويقدسونها و ذلك أحد أسباب انخفاض درجة الثقة السياسية في صفوف الشعب أو في الحقيقة إلى انعدامها. فإنّ الثقة التي أعطيناها عن طريق “الانتخاب” إلى ” نخبة سياسية فاعلة ” ليست إلا ثقة منحت إلى  باحثين عن مراكز و امتيازات مادية أو إلى “مناضلين متسابقين”  حول غنائم المعارك السياسية  و هذا هو واقع المشهد السياسي الذي يسيطر عليه سخط عارم و عدم رضا و فقدان للثقة في السياسة بأحزابها و جميع مكوناتها

التاريخ يعيد نفسه

 فاليوم لا نتحدث عن انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم أو بين السياسي و المواطن فحسب بل نتحدث عن صراعات داخلية داخل الأحزاب تنهكها و تشتتها أزمة ثقة بين السياسيين أنفسهم، والأمثلة تتعدد بشأن هذا الصدد و ذلك نظرا للتاريخ الحافل بالصراعات السياسية والتي تجعل عالمنا تحيا فيه “سنوات الجمر و الرصاص” من جديد. فالتاريخ اليوم  في سياستنا يكرر نفسه لأن ساستنا لم يصغوا إليه جيدا في المرة الأولى  فآذانهم لم تستمع سوى لنداء : ” من سيجلس على الكرسي ؟ ” أو ” من سيفوز بأكبر عدد من المقاعد النيابية ؟ ” لكن ليس لنيابة الشعب و الدفاع عن مصالحه بل دفاعا عن برامج سياسية و حزبية بحتة تقصى فيها مصالح المواطن ضرورة لتحضر مصالح الألوان السياسية و بذلك تكون الخلاصة شتان بين تمثيل الشعب و التمثيل على الشعب

تداخل المصالح

distrust2.jpg

نعم نفقد ثقتنا في دولتنا اليوم بسياستها و سياسييها لأن من هم في الحكم اليوم تسيطر على ألسنتهم و تصرفاتهم نظرية الفصل بين الشأن السياسي و الأخلاقي وفهم العنف كشرط أساسي و مؤسساتي لقيام الدولة و ضمان استقرارها بل    وتأكيد نجاعتها في فرض رؤية ” موحدة  للحق و القانون ” و في ذلك تدخل  مطلق للدولة بجميع مكوناتها و ألوانها السياسية في تشريع آداب و أخلاق معينة فالهدف من  منظورهم هو التحكم في سلوك و إرادة المواطن و إقصاء حريته بالرغم من ” التنصيصات الخاوية ” صلب الدستور و القوانين فالفرد في نهاية  الأمر لا يمارس حريته هو بل يمارس الحرية التي تحددها الدولة. ففقدان ثقتنا بالسياسة والساسة مرتبط وثيق الارتباط  ” بمعيار سياسي جديد ” هو” المصلحة ” و بطبيعة الحال المصلحة هنا  مرتبطة بالإرادة السياسية التي تجسدها مصالح الأحزاب التي تحكم المشهد السياسي اليوم و هو ما يعني أنه لا يدخل في خطة الدولة أن يكون ” المواطن سعيدا ” بل مطيعا و منضبطا يلزم مكانه و يؤدي مهامه

و بالتالي يكون فقدان ثقتنا في الساسة و السياسة اليوم نتيجة لانعدام مشهد سياسي يعكس متطلعاتنا في أن نعيش في إطار ثقة متبادلة بين كل من السياسي و المواطن التي إلى حد الآن تنتهي بوصول السياسي إلى كرسي الحكم مهما كان انتماؤه السياسي سواء كان من اليمين أو من اليسار أو ” مستقلا ” و بشأن استقلالية هذا الأخير فبدورها تحوم حولها نقاط استفهام عدة

 وبذلك نعي أن مظاهر  الشقاء تحاصرنا من كل الزوايا  و نفهم من خلال هذا الوضع خوف المواطن على  مستقبله  داخل وطنه، و خوفه كذلك من تأثر السلطة القضائية بهذا المشهد السياسي و الحال أنه لا طالما تشبث أمل الشعب بهذه السلطة لكونها سدا منيعا لكل من تخول له نفسه أن يفتكّ حقا من صاحبه، ذلك بالرجوع لميزتها في ابتعادها عن حلبة الصراع السياسي أي بإبتعادها عن السلطة السياسية بثنائيتها التشريعية و السياسية

هاوية العدم

اليوم انعدمت ثقتنا بساستنا لأننا تيقنا أن الثقة مجرد وهم لا غير، شأنها شأن السعادة فليست السعادة سوى سراب يغرينا بالاستمرار في الوجود رغم عبثيته فنحن نرسم أهدافا نخال أن فيها سعادتنا و ما أن نتمكن منها حتى تتبخر و كأننا محكمون بقدر سيزيفي  بائس بحيث نلهث وراء الثقة المحققة للسعادة لنكتشف أنه لا يعدو أن يكون سوى وهم في ظل هذه السياسة التي تفقد العلاقة الصحيحة بين كل من السياسي و المواطن و لكن لعلنا نتفطن إلى الخلل و نصلحه قبل أن تبتلعنا هاوية العدم . فنحن لا نتعثر بالتلال الشاهقة بل نتعثر بالأحجار الصغيرة… وتأكد يا من تلهث وراء الكراسي أنه لو دامت لغيرك لما آلت إليك

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s