تنويه: كُتِب هذا المقال في سياق تاريخي محدّد وشديد الخصوصية نرجو من القرّاء مراعاته عند قراءة هذه السطور- أنظر التاريخ

 

لقد كُتب على الشعوب التي اختارت أن تسلك طريق الحرية أن تعيش فترة حالكة من التناقض والتخبط والتضارب قبل أن تصِل إلى مُرادها

وقد فُرض على الشعوب الثائرة في هذه الظروف أن تعيش وتقود ثورتين: ثورة سياسية … وثورة اجتماعية

وأستطيع الآن أن أقول أن شعبنا يعيش ثورتين وليس ثورة واحدة

ثورة سياسية يستردّ بها حقّه في حكم نفسه وتقرير مصيره من يد طاغية تجبّر عليه وسلب منه هذا الحق

وثورة اجتماعية تتصارع فيها مكوّناته ضمن مناخ مخيف من الحقد والانتقام وينتهي صراعها الحساس بما يحقق العدالة الثورية لأبناء الوطن الواحد

وقد عاشت شعوب قبلنا الثورتين، لكنّ كل منهما حدثت في سياق زمني منفصل عن الأخرى وبحيّز بلغ مئات السنين

أما الشعب التونسي فقد وضع نفسه أمام اختبار مذهل وتحدّ أكثر ذهولا يتمثّل في خوض غمار الثورتين في وقت واحد

وهذا التحدّي يستمدّ صعوباته وتفرّده من اختلاف مقوّمات وظروف الثورتين، مما يجعلها تتصادم تصادما عجيبا وتتصارع تصارعا مروّعا إذا تجسّدتا معا

فالثورة السياسية تتطلب وحدة مختلف أطياف وحساسيات الأمة وإلغاء كلّ عنصر من عناصرها لذاته في سبيل مصلحة الوطن العليا، أما الثورة الاجتماعية من أول مظاهرها تزلزل القيم وانقلابها وتصارع المواطنين مع أنفسهم أفرادا وجماعات واستشراء الشك والحقد والأنانية في صفوفهم ممّا يعرقل وحدتهم

وبين تلك المطرقة و ذلك السندان قُدّر لنا أن نعيش بين ضرورة الإتحاد من أجل رؤية الوطن قويّا ومتحرّرا وحتمية الفرقة من أجل حماية الثورة والتمييز بين عدوّها والوفي لها ومن أجل اختلاف الإيديولوجيات ووجهات النظر

وبين تلك المطرقة وذلك السندان ضاعت الكثير من الثورات وتلاشت معها آمال العديد من الشعوب التي وجدت نفسها في أحضان الدكتاتورية من جديد

ولكي لا نكرّر أخطاء أسلافنا ونجسّد بذلك المعنى الحقيقي للفشل فمن الضروري أن نتّعظ من هذه التجارب لكي نخرج من بين شقّي الرحى ونصل إلى آخر الطريق بأقل الأضرار الممكنة

الأكيد أن أهم التساؤلات التي تطرح بعد اجتياز أي ثورة لمحطّاتها الأولى وتخلّص الشعب من الطاغية الذي كان يحكمه هي: إلى ماذا نريد أن نصل ؟ وما هو الطريق إليه ؟

والأكيد أن التونسيّين متّفقون حول إجابة السؤال الأوّل: فالجماهير التونسية كانت بعد 14 جانفي 2011 مجمعة على رؤية الوطن قويا ومتحرّرا عبر إرساء نظام ديمقراطي يقطع مع منظومة الفساد والاستبداد ويؤسس لدولة قانون حقيقية تحمي حقوق الإنسان وتتقيّد بها. وبقي هذا الإجماع حيّا مع مرور الزمن وتهاطل الأزمات

لكنّ الإجابة عن السؤال الثاني هي التي فقدت الإجماع حولها مع مرور الوقت وأثارت التجاذبات والخلافات وكرّست اختلاف الأفكار والأجندات إلى درجة التصادم والانزلاق إلى منحدر العنف السياسي في بعض الفترات التي مثّلت بقعا سوداء في المسار الثوري وطعنات في ظهر الثورة

لقد أجمعت أغلبية الشعب التونسي في البداية وقبل 23 أكتوبر 2011 على خيار إعادة صياغة الدستور عن طريق مجلس تأسيسي يقود فترة انتقالية ثانية إلى حين انتخاب مؤسسات حكم دائمة تنبثق عن الدستور الجديد

وبعد أن بدأنا السير في هذا الطريق، اختار البعض الخروج عن القافلة، وتمسّك البعض الآخر بالبقاء ضمنها، وطعن هذا الانقسام مفهوم الثورة السياسية في الظهر وفسح المجال لطغيان الثورة الاجتماعية وبتنا مهدّدين بالرسوب المدوّي في هذا الاختبار الصعب بسبب فشلنا في قيادة الثورتين بصفة متوازية وعدم قدرتنا على مواجهة التناقضات بالقدر الكافي من الحكمة

من حسن حظّنا أنّنا وجدنا إجابة سريعة للتساؤل حول الطريق الذي سنختاره لتحقيق ما نرنو إليه وحظيت هذه الإجابة بالإجماع الكافي في صفوف القوى الثورية لكن من سوء حظّنا أن هذا الطريق طال أكثر من اللازم ممّا جعل الخلافات حول السلطة بين شقّي “النخبة” السياسية تطغى على أولوية تحقيق أهداف الثورة

لقد ظننت أن الشعب التونسي بعد أن أحدث شرخا عميقا في حاجز الخوف يوم 14 جانفي 2011، لا يحتاج إلاّ إلى طليعة تتقدّمه وتكون لها الشرعية الكافية لكي تهدم هذا الحاجز نهائيا، لتندفع خلفها الجماهير متراصّة عازمة زاحفة نحو هدفها

وقد أختار الشعب طيعة هذه الطليعة بانتخابه لمجلس تأسيسي وُكّلت له مسؤولية تاريخية تتمثل في وضع حجر الأساس في بنيان النظام الديمقراطي الذي سيُحبط كل محاولات إعادة بناء حاجز الخوف

لكنّ الواقع الذي حدث كان دون المأمول، فلا الطليعة تقدّمت بثبات لتهديم حاجز الخوف بعد أن غلب عليها الارتباك وانشغلت بصراعات سياسية تافهة لا تمتّ لمهمّتها الحقيقية بأيّ صلة ولا الجماهير أدّت دورها في تقديم قوة الدفع المعنوية لطليعتها بعد أن غلب عليها الإحباط واليأس والممل وآثرت الصمت والانتظار ولم تتمسّك بإنجاح خيارها

و بقي حاجز الخوف على حاله ولم يمسّه سوء منذ ذلك الشرخ، وفُتحت الطريق لبدأ ترميمه بل إعادة بناءه على شاكلة أكثر متانة وصلابة من قبل

فتحت النخبة السياسية بانقسامها على نفسها وتغليب أطرافها لمصالحهم الحزبية الضيّقة الطريق أمام قوى الثورة المضادّة لكي تستغل عاطفية الشعب وإحباطه وذاكرته القصيرة لتكسب تأييده وتجعله يعيدها إلى السلطة بالانتخابات بعد أن أقصاها منها بدماء شهدائه

لقد فوّتنا على أنفسنا فرصة تاريخية لاسترداد المسار الثوري التائه حينما تجمّدت أيادينا ولم تجرؤ على هدم حاجز الخوف المشروخ الضعيف وكلّ الظروف كانت في صالحنا والكفة كانت مرجّحة لنا، فجرفنا تيّار الأحداث ونحن في حالة من الثبات السلبي والصمت والانتظار الذي أضاع لنا الكثير من الوقت ونحن نخوض في الهوامش ولا ننظر إلى المضمون

إنّ نجاح أي ثورة يتوقّف على إدراكها لحقيقة التحدّيات التي تواجهها وقدرتها على الحركة السريعة و تحرّرها من آثار الألفاظ البرّاقة والشعارات الفضفاضة، والثورة التونسية لم تستجب لهذه الشروط في أي محطّة من محطّاتها السابقة

لم يدرك الشعب حقيقة التحديات التي تواجه ما حقّقه من مكاسب، بل أن كثيرين منه ظنّوا أن الثورة إنتهت بهروب الرئيس المخلوع يوم 14 جانفي 2011، فأصبحوا يتحدّثون عمّا قبل الثورة وما بعدها، ولم يدركوا أن ما حقّقوه منها يمكن أن يُسرق في أي لحظة ما دام النظام مازال قائما وبقاياه مازالت موجودة

ولم تتوفّر للثورة القدرة الكافية على الحركة السريعة لسبب وحيد هو أنّها افتقدت منذ البداية إلى قيادة تتولى زمام السلطة وتكون لها الإرادة والقوة الشرعية للتحرّك بغية تفويت الفرص على كلّ من يفكّر في الارتداد، وغابت هذه الإرادة وهذه القوة عن الحكومات المتعاقبة على المسار الانتقالي والتي اشتركت جميعها في ميوعة الإجراءات ومنطق التأجيل والارتباك ممّا جعل الحركة شديدة البطء وأحيانا معطّلة تماما

كما أمضت الثورة مدّة طويلة وهي تتخبّط بين الشعارات الفضفاضة والخطب الرنّانة في الميادين والساحات العامة و لم تنتقل إلى الجانب العملي إلا بعد فترة مملّة من النرجسية والعاطفية، ولم يساعدها هذا الانتقال المتأخر على التخلّص من آثار الشعارات التي انعكس طابعها على الإجراءات والخطوات الشكلية والمتردّدة

كلّ مواطن الخلل هذه هي بمثابة أخطاء تاريخية أثّرت على خطّ الثورة بالسلب أكثر من الإيجاب، ربّما كانت لها مبرّراتها النظرية  التي تعود إلى طبيعة ما حصل بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 كانتفاضة شعبية عفوية قبل أن تطغى عليها تسمية الثورة

 لكنّ هذه الأخطاء الفادحة أدّت على أي حال إلى نتائج كارثية تمثّلت في تخلّي جزء لا يستهان به من الشعب عن أمانة الثورة وواجباتها وحنينه إلى عهد الاستبداد والفساد

وإذا لم نهرع إلى إصلاحها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه فلنتأهّب إذن لندفع الثمن ولنرى حاجز الخوف يُرمّم ويرتفع يوما بعد يوم وتزداد قوّته وصلابته بازدياد ضعفنا وعجزنا عن الزحف نحو هدفنا

وتضيع الثورة بين أعيننا وتصبح مجرّد حكاية نرويها لأطفالنا وأحفادنا

ونتجرّع بها كأس المرارة والحسرة

 جويلية 18 2013

 أكرم ريدان طالب بالسنة الثانية من الإجازة الأساسية في القانون العام بكلية العلوم القانونية و السياسية و الإجتماعية بتونس و ناطق رسمي باسم جمعية “تيميس” للحقوقيين الشبان

Advertisements