منذ إرسائه، يواجه النظام السياسي التونسي إشكالا نظريا يتمثل في صعوبة تصنيفه أو وضعه في صنف من أصناف الأنظمة السياسية المتداولة فقها، وقد شاع إعلاميا حول هذا النظام بعض التسميات كالقول بأنه “برلماني معدل” أو “رئاسي معدل”، إلا أن هذه المصطلحات لا نجد لها أي أثر في الفقه الدستوري مما يجعلها من قبيل الخطأ الشائع، إلا أن بعض الفقهاء قد تحدثوا أن التصنيف الثنائي الذي يفصل بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي قد تجاوزته الأحداث في التطبيق الدستوري اليوم، فالنظامين قد تقاربا كثيرا بفعل تكريس عدة أنظمة سياسية ومن بينها النظام السياسي التونسي للمزج بينهما، مما يجسد ظاهرة “روأسة” الأنظمة البرلمانية

“la présidentialisation des régimes parlementaires”

ولعلّ أبرز التحولات التي طرأت على النظام السياسي التونسي مقارنة بما كان عليه في إطار دستور 1 جوان 1959 قد تمحورت حول دور الحكومة التي باتت محورا رئيسيا للسلطة التنفيذية بعد أن كانت مجرد هيكل مساعد لرئيس الجمهورية، إلا أن هذا التطور ليس مطلقا، إذ بقي لرئيس الجمهورية نوع من التأثير الذي يمارسه على الحكومة من منطلق تمتعه بشرعية معادلة لشرعية البرلمان بصفته منتخبا بصفة عامة ومباشرة من الشعب، مما يزيد في تعميق إشكال تصنيف النظام الذي يراوح بين الطبيعة البرلمانية وبعض الخصائص الرئاسية. والحكومة في المطلق هيئة تمثل إحدى هياكل السلطة التنفيذية تتركّب عادة من رئيس ومجموعة وزراء وتُكلّف بتنفيذ القوانين وتسهر على تطبيق السياسة العامة للدولة، وحينما نتحدث عن النظام السياسي التونسي فإننا نعني بذلك تنظيم السلط السياسية الذي أرساه دستور الجمهورية التونسية المؤرّخ في 27 جانفي 2014

وكما أسلفنا الذكر، فإن المحور الأساسي الذي كان موضوع تغيرات جذرية انتقلت بالنظام السياسي التونسي من الشكل الرئاسي إلى شكله الحالي صعب التصنيف هو الحكومة، إذ أنها تتميز بوضع قانوني وجب التوقف عنده

فبماذا يتميز الوضع القانوني للحكومة في النظام السياسي التونسي ؟

نظم دستور الجمهورية التونسية في القسم الثاني من الباب الرابع المتعلق بالسلطة التنفيذية الوضع القانوني للحكومة في النظام السياسي التونسي، ومن خلال قراءتنا لفصول هذا القسم نستخلص أن للحكومة مميزات إما على مستوى تنظيمها – الفقرة الأولى أو على مستوى علاقاتها – الفقرة الثانية

تميز الحكومة في النظام السياسي التونسي من حيث تنظيمها-I

يشمل التميز التنظيمي للحكومة في النظام السياسي التونسي الجانبين الهيكلي والوظيفي، فأما الهيكلي فيتعلق بشكل الحكومة أي بطريقة تعيينها وتركيبتها وأعضائها – الفرع الأول، وأما الوظيفي فيتعلق باختصاصاتها – الفرع الثاني

أ-تميز على مستوى التنظيم الهيكلي

في إطار التنظيم الهيكلي للحكومة في النظام السياسي التونسي، نتطرق إلى تركيبتها أولا وإلى طريقة تعيينها ثانيا

   تركيبة الحكومة+

جاء بالفقرة الأولى من الفصل 89 من الدستور:“تتكون الحكومة من رئيس ووزراء وكتاب دولة يختارهم رئيس الحكومة  وبالتشاور مع رئيس الجمهورية بالنسبة لوزارتي الخارجية والدفاع”، إذ جعل الدستور الحكومة ثلاثية التركيبة

رئيس الحكومة-

فهي تتركب أولا من رئيس الحكومة، وهذه التسمية من مستجدات دستور 27 جانفي 2014، إذ كان دستور 1 جوان 1959 يسند رئاسة الحكومة إلى “وزير أول”، ويعيّن رئيس الحكومة من قبل رئيس الجمهورية وفق الطريقة التي سنتطرق إليها لاحقا

الوزراء-

أما الوزراء فيختارهم رئيس الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية بالنسبة لوزيري الدفاع والخارجية، أما عن بقية الوزراء فينتقيهم رئيس الحكومة دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية، وقد وردت عبارة “الوزراء” مطلقة، وقد جاء بالفصل 533 من مجلة الالتزامات والعقود: “إذا كانت عبارة القانون مطلقة جرت على اطلاقها”، ومن المتفق عليه فقها أن القواعد التأويلية الواردة بهذه الفصول صالحة لتأويل كل فروع القانون، وتبعا لذلك نجري عبارة “الوزراء” على إطلاقها فهي إذن تشمل الوزراء الذين لهم حقائب وزارية والوزراء الذين ليس لهم حقائب وزارية كالوزراء المعتمدين لدى رئيس الحكومة، وبالرجوع إلى تركيبة أول حكومة بعد إصدار الدستور الجديد وإجراء أول انتخابات تشريعية ورئاسية نجد فيها ثلاثة وزراء معتمدين وهم الوزير المكلف بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب، والوزير المكلف بالعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني، والكاتب العام للحكومة

كتاب الدولة-

أما عن كتاب الدولة، فبالرجوع إلى صيغة الفقرة الأولى نجد أن عبارة “يختارهم” وما جاء بعدها وردت بعد عبارة “وزراء وكتاب دولة”، إذن فإن إختيار كتاب الدولة يخضع لنفس النظام القانوني الذي يقع وفقه اختيار الوزراء، مما تقدم نخلص أنه بالنسبة لكتاب الدولة الراجعين بالنظر إلى وزارتي الخارجية والدفاع فإن رئيس الحكومة يستشير رئيس الجمهورية لاختيارهم، أما عن كتاب الدولة الراجعين بالنظر إلى بقية الوزارات فإن رئيس الحكومة يختارهم بصفة فردية دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية، فهذه الوزارات تدخل ضمن صلاحياته المطلقة

مبدأ عدم الجمع-

وقد فرض الفصل 90 من الدستور شرطا على رئيس الحكومة وأعضائها بمن فيهم الوزراء وكتاب الدولة، إذ منع “الجمع بين عضوية الحكومة وعضوية مجلس نواب الشعب”، وقد يشير لفظ “العضوية” إلى أن هذه القاعدة تشمل أعضاء الحكومة دون رئيسها، إلا أن رئيس الحكومة علاوة على صفته كرئيس هو أيضا عضو من أعضاء هيئة الحكومة، وبالتالي فهو معني بهذا المنع، وتندرج هذه القاعدة الدستورية ضمن نية السلطة التأسيسية الأصلية تحقيق مبدأ الفصل بين السلط المذكور في توطئة الدستور، ويضمن تحجير تمتع عضو الحكومة بعضوية البرلمان عدم التداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي قد يؤثر على استقلالية كل سلطة وعلى نجاعتها في أداء مهامها، كما فرض الفصل ذاته على أعضاء الحكومة وعلى رئيسها عدم ممارسة أية مهنة بغية تحقيق واجب تفرغ كل عضو من أعضاء الحكومة لآداء مهامه التي تكتسي أولوية مطلقة على بقية المهام التي يمكن أن تطرحها عليه الوظائف الأخرى

و مثلت هذه القاعدة الدستورية بمثابة تراجع عن خيار سابق انتهجه المجلس الوطني التأسيسي عند إقراره للقانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية المؤرخ في 16 ديسمبر 2011، وقد أباحت الفقرة الأخيرة من الفصل 16 من هذا القانون لأعضاء الحكومة دون رئيسها الجمع بين عضوية الحكومة وعضوية المجلس إن كانوا أعضاء به، إلا أنه منعهم من العضوية في مكتبه أو في أحد لجانه القارة ومن المشاركة في التصويت على لائحة لوم أو على قانون المالية، إلا أن هذا الحكم حينها بقي حبرا على ورق، إذ أن أغلبية أعضاء المجلس الذين وقع الإختيار عليهم ليكونوا وزراء أو كتاب دولة قد خيروا إستعمال صفتهم الأولى لتقديم إستقالاتهم من المجلس قصد التفرغ لمهامهم الحكومية

هذا عن تركيبة الحكومة، وفيها تطرقنا إلى تركيبتها الثلاثية وعرضنا سريعا الجهات المكلفة بتعيين كل مكون من مكوناتها، كما رأينا مظهرا من مظاهر الفصل الهيكلي بين السلط، بقي لنا التعرض إلى المسار الدستوري الواجب سلكه لتعيين الحكومة ومباشرتها لمهامها

تعيين الحكومة+

تناول الفصل 89 من الدستور في فقراته الثانية والثالثة والرابعة والخامسة بالتفصيل مسألة تعيين الحكومة، ويتحقق التعيين بمسار إجرائي يمر بأربعة مراحل

تعيين رئيس الحكومة

أولها تعيين رئيس الحكومة، ويكون “في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للإنتخابات” كما نصت على ذلك الفقرة الثانية من الفصل 89 ، أما الجهة المسؤولة عن تعيين رئيس الحكومة فهي كما ذكرنا رئيس الجمهورية، لكن هذا الإختصاص المسند لهذا الأخير هو شكلي لأقصى درجة إذ فرض عليه الدستور تعيين “مرشّح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب”، فالإختيار الحقيقي يتم على مستوى قيادة الحزب أو الائتلاف الفائز في الانتخابات التشريعية، فهي التي تقترح على رئيس الجمهورية شخصية رئيس الحكومة، ويكون رئيس الجمهورية ملزما بتعيين هذه الشخصية وليس له أن يرفض تعيينها أو أن يعين شخصية أخرى من إختياره الخاص

وقد طرحت صيغة الفقرة الثانية مشكلين تأويليين: أول يتعلق بعبارة الانتخابات، وقد طَرح هذا المشكل بعد نهاية أول إنتخابات تشريعية إثر المصادقة على الدستور الجديد، إذ قام رئيس الجمهورية المؤقت حينها محمد المنصف المرزوقي (ولم تكن الانتخابات الرئاسية وقتها قد نُطّمت بعد) بمراسلة حزب نداء تونس الفائز بأغلبية المقاعد في مجلس نواب الشعب طالبا من قيادة الحزب أن ترشح شخصية لمنصب رئاسة الحكومة، وقد رفض الحزب مراسلة رئيس الجمهورية متعللا بأن عبارة الانتخابات قد وردت مطلقة في الفصل وبالتالي فهي تشمل الانتخابات الرئاسية والتشريعية معا، إلا أن الرفض لم يكن ذا أساس قانوني بقدر ما كان سياسيا، إذ لم يكن من الممكن للحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية أن يقبل تعيين مرشحه لرئاسة الحكومة من قبل رئيس جمهورية سيكون المنافس الأهم لمرشح الحزب للانتخابات الرئاسية، ويعتبر قبل كل شيء خصما سياسيا للحزب. وبالفعل بقيت المسألة معلقة إلى حين نهاية الانتخابات الرئاسية التي انتخب فيها مرشح حزب نداء تونس الباجي قايد السبسي رئيسا للجمهورية وتولى هو تعيين رئيس الحكومة. ومن الأرجح أن يخضع تكليف رئيس الحكومة من طرف رئيس الجمهورية مرات أخرى إلى موازين القوى السياسية التي ستكون لها الكلمة الفصلى في تطبيق القاعدة الدستورية خاصة إذا تواصل تنظيم الانتخابات التشريعية قبل الرئاسية.  أما المشكل الثاني فيتعلق بعبارة “مرشح” وهي عبارة مطلقة تشمل الشخصيات المنتمية تنظيميا إلى الحزب الفائز أو الشخصيات الغير منتمية، فليس من الإجباري أن يكون رئيس الحكومة من قيادات الحزب الفائز أو من قيادات أحد أحزاب الائتلاف الانتخابي الفائز، وأبرز مثال على ذلك ما حصل في تونس بعد انتخابات 2014، إذ رشح حزب “نداء تونس” الفائز بأغلبية مقاعد مجلس نواب الشعب شخصية “مستقلة” لرئاسة الحكومة وهي الحبيب الصيد، لكن الإستقلالية لا تعني بالضرورة أن المرشح لا يكون مقربا من الحزب الفائز إذ سبق للحبيب الصيد أن تقلد منصب وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة التي ترأسها الباجي قايد السبسي مؤسس حزب “نداء تونس” قبل إنتخابات المجلس الوطني التأسيسي

تشكيل أو تكوين الحكومة

وبعد تكليف مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي الفائز في الانتخابات من قبل رئيس الجمهورية نمر إلى مرحلة تكوين الحكومة، ويمنح الدستور للشخصية المكلفة بالتكوين أجل شهر قابل للتجديد مرة واحدة، ويقوم رئيس الحكومة في هذا الأجل بإختيار الوزراء وكتاب الدولة وتوزيع الحقائب والمناصب عليهم مع مراعاة الفقرة الأولى من الفصل 89، إلا أن هذه العملية وإن كانت في الظاهر إختصاصا مطلقا وحصريا لرئيس الحكومة إلا أنها تخضع بدورها للتوازنات السياسية، إذ عادة ما يعقد المكلف برئاسة الحكومة مشاورات مع الأحزاب البرلمانية، فلا يتيح نظام الإقتراع بالتمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا (المعتمد في القانون الانتخابي التونسي) للحزب الفائز في الانتخابات التشريعية أغلبية مريحة في البرلمان، مما لا يخول له تكوين حكومة بمفرده، وبالتالي يكون رئيس الحكومة مجبرا على عقد مشاورات مع الأحزاب المتحصلة على نسب هامة من المقاعد والتي تتقارب برامجها مع برنامج الحزب الفائز بهدف تشكيل حكومة إئتلافية تحصل على ستار برلماني متين

نيل ثقة مجلس نواب الشعب

وفي صورة التوصل إلى تشكيل حكومة في الأجل المحدد يقع المرور إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة نيل ثقة مجلس نواب الشعب، وتنال الحكومة الثقة بعد عرض موجز برنامج عملها على المجلس في كلمة يلقيها رئيس الحكومة أمام أعضائه يتم بعدها التصويت على منح الثقة

تسمية أعضاء الحكومة

فإذ تحصلت الحكومة على ثقة الأغلبية المطلقة من أعضاء مجلس نواب الشعب، يقع المرور إلى المرحلة الرابعة التي يسمي فيها رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة بأمر رئاسي و يتولى بعدها الوزراء وكتاب الدولة ورئيس الحكومة آداء اليمين أمامه في القصر الرئاسي

حالات الأزمة

إلا أن السلطة التأسيسية الأصلية، وفي إطار سعيها لإحتواء كل الوقائع السياسية وتنظيمها بقواعد دستورية، لم تتغاضى عن تقديم حلول للفروض المعاكسة لفرض توصل المكلف بتشكيل الحكومة إلى تكوين حكومة في الأجل المحدد، ولفرض نيل الحكومة لثقة مجلس نواب الشعب، وقد ورد في الفقرة الثالثة من الفصل 89 حل مشترك لهذين الفرضين النقيضين أي فرض عدم توصل الشخص المكلف بتشكيل حكومة إلى تشكيلها في الأجل المحدد وعدم نيل الحكومة لثقة مجلس نواب الشعب، إذ يتدخل رئيس الجمهورية لممارسة دور استثنائي يخرج به عن الطابع الشكلي لعملية التكليف، فيتولى عقد مشاورات مع الكتل البرلمانية والأحزاب لتكليف الشخصية الأقدر بتكوين حكومة، إذ يخضع إختيار شخصية رئيس الحكومة إلى سلطة تقديرية مشتركة تثمرها المشاورات بين رئيس الجمهورية وبين الأحزاب السياسية ويُهمل في هذه الحالة دور الحزب الفائز في الانتخابات في الترشيح، إلا أن ذلك لا ينفي تأثيره في اختيار “الشخصية الأقدر”

ولم يكتفي الفصل 89 بتقديم حل لهذين الفرضين فقط، بل قدم حلا للفرض الأسوأ سياسيا، وهو فرض مرور أربعة أشهر على التكليف الأول، ويقصد بذلك تكليف رئيس الجمهورية لمرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد في مجلس نواب الشعب في أجل اسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات دون منح الثقة للحكومة، وتتوسع في هذا الفرض سلطات رئيس الجمهورية الذي يتاح له حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل يتراوح بين 45 و 90 يوما

هذا عن تميز الحكومة في النظام السياسي التونسي على مستوى تنظيمها الهيكلي، وفيه رأينا تركيبة الحكومة والطريقة التي تُعيّن بها هذه التركيبة، لكن تميز الهيئة التنفيذية لا يقتصر على تنظيمها الهيكلي، بل يشمل كذلك تنظيمها الوظيفي المتعلق باختصاصاتها

ب-تميز على مستوى التنظيم الوظيفي

يتمحور التنظيم الوظيفي للحكومة كما ذكرنا حول الاختصاصات التي خولها لها الدستور، وهذه الاختصاصات عادة ما تسند إلى رئيس الحكومة لا إلى الحكومة، فرئيس الحكومة هو الذي يمارسها فعلا، وهي لا تعني بقية الأعضاء من حيثية الممارسة، إلا أنها تلزمهم، لذلك يمكن أن نتحدث عن هذه الاختصاصات بإعتبارها اختصاصات للحكومة بأكملها، ولرئيس الحكومة صلاحيات حصرية  وله أيضا صلاحيات مقيدة يتقاسمها مع رئيس الجمهورية

صلاحيات حصرية لرئيس الحكومة

نقصد بالصلاحيات الحصرية الصلاحيات التي يمارسها رئيس الحكومة دون غيره ودون الرجوع إلى أي سلطة أخرى للتشاور أو التوافق، ويمكن ردها إلى قسمين: صلاحيات حصرية عادية وردت في الفصول من 91 إلى 94 من دستور الجمهورية التونسية، وصلاحيات حصرية إستثنائية

صلاحيات حصرية عادية

ضبط السياسة العامة

ذكر الفصل 91 من الدستور: “يضبط رئيس الحكومة السياسة العامة للدولة، مع مراعاة مقتضيات الفصل 77، ويسهر على تنفيذها”، وبالعودة إلى الفصل 77 نجد في محتواه “يختص (رئيس الجمهورية) بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد إستشارة رئيس الحكومة”، وبالنظر إلى الفصلين نستخلص أن لرئيس الحكومة إختصاص مبدئي فيما يتعلق بضبط السياسة العامة للدولة، ولرئيس الجمهورية إختصاص إستثنائي، فقد حدد الفصل 77 على وجه الحصر المجالات التي يرجع فيها لرئيس الجمهورية إختصاص ضبط السياسة العامة، وأسند الفصل 91 نفس الإختصاص لرئيس الحكومة في بقية المجالات. ونستطيع القول أن صلاحية ضبط السياسة العامة هي صلاحية يختص بها رئيس الحكومة بصفة حصرية في غير مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية

التصرف في تركيبة الحكومة

كما جاء بالفصل 92 صلاحيات مطلقة أخرى تتمثل في: إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء، وقد مارس رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد إختصاص الإحداث في التعديل الوزراي الذي قام به يوم 6 جانفي 2016، إذ أحدث وزارة للوظيفة العمومية والحوكمة ومقاومة الفساد، كما مارس أيضا إختصاص التعديل في نفس التحوير الوزاري إذ قام بنزع حقيبة الصناعات التقليدية من وزير التجارة وأدمجها مع وزارة السياحة، وقام رئيس الحكومة بحذف خطة كاتب الدولة لدى وزير الداخلية المكلف بالشؤؤون الأمنية يوم 1 ديسمبر 2015

إقالة أعضاء الحكومة والبت في استقالتهم

ومن الصلاحيات المذكورة بالفصل 92 نجد إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البت في استقالته بإستثناء وزيري الخارجية والدفاع اللذان لا تعتبر إقالتهما وقبول استقالتهما اختصاصا حصريا لرئيس الحكومة، وقد إستعمل رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد صلاحية الإقالة عند إعفاءه لوزير العدل محمد صالح بن عيسى كما قبل استقالة الوزير المكلف بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب محمد لزهر العكرمي، لكن السؤال الذي يطرح هنا: إذا كان لرئيس الحكومة الحق في إقالة أعضاء الحكومة وقبول إستقالتهم بصفة حصرية، فهل أن تعويض الوزراء المقالين أو المستقيلين يخضع لنفس الخاصية الحصرية ؟ سكت الدستور عن إعطاء حكم لهذه المسألة، وفي هذه الحالة نلتجأ إلى القياس، وبالرجوع إلى الفصل 89 المتعلق بتعيين الحكومة نجده قد أقر بأن الحكومة لا تباشر عملها إلا بعد نيل ثقة الأغلبية المطلقة من أعضاء مجلس نواب الشعب، وبما أن الوزير المعين هو عضو من أعضاء الحكومة فإن حكم فرض تعيين الحكومة يجري أيضا على  فرض تعيينه، وبالتالي فإن جواب السؤال المطروح يكون بالنفي، وتجد نتيجة هذا القياس أساسها في أمرين: أولهما النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، والذي وضع العنوان الأول من بابه التاسع تحت عنوان “منح الثقة للحكومة أو لأحد أعضائها”، كما أقرت الفقرة الثانية من فصله 144 صراحة: “إذا تقرر إدخال تحوير على الحكومة التي نالت ثقة المجلس إما بضم عضو جديد أو أكثر أو بتكليف عضو بغير المهمة التي نال الثقة بخصوصها فإن ذلك يتطلب عرض الموضوع على المجلس لطلب نيل الثقة”، إلا أن هذه الحجة مبدئيا ضعيفة، إذ يختلف فقهاء القانون الدستوري في مدى إعتماد الأنظمة الداخلية للبرلمانات كمصادر مكلمة للدساتير، فالقواعد المدرجة بالنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب لا ترتقي إلى مستوى القواعد القانونية، فهي ليست عامة، إذ أنها لا تنطبق إلا في حدود أروقة المجلس، وليست ملزمة إلا لأعضائه، كما أنها لا تخضع لنفس إجراءات إصدار القوانين، فلا تُختم من قبل رئيس الجمهورية ولا تنشر في الرائد الرسمي وتنفذ كقانون من قوانين الدولة، إلا أنه إذا دعمنا هذه الحجة الضعيفة بحجة سلطة نجد أن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين قد عدلت هذا الموقف، إذ جاء في قرارها عدد 5/2016 ما يلي: “وحيث أن الطعن بعدم الدستورية لا يمكن أن يتأسس على مجرد مخالفة أحكام النظام الداخلي بإعتبارها ليست قيمة دستورية في حد ذاتها بل يجب أن تعكس وتستوعب مقتضيات ومبادئ دستورية وأن تنهض الحجة أن هذه المبادئ والمقتضيات الدستورية قد تم فعلا خرقها من جراء عدم التقيد بأحكام النظام الداخلي” بعبارة أخرى، فإن أحكام النظام الداخلي يجب أن تعكس أحكاما ومبادئ دستورية لكي تكون ملزمة وهو ما يسري على الفصل 144 المذكور. أما عن ثاني الأمرين فيتمثل في الممارسة، إذ لم يباشر الوزراء الجدد المعيّنون في التحوير الوزراي الذي قام به رئيس الحكومة يوم 6 جانفي 2016 مهامهم إلا بعد نيل ثقة الأغلبية المطلقة من أعضاء مجلس نواب الشعب، كما إتًّبع معهم نفس المسار الاجرائي الذي حدده الفصل 89 إذ وقع تسميتهم من قبل رئيس الجمهورية بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 1 لسنة 2016

التصرف في المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية

تكمن أهمية هذا الاختصاص في تمكينه لرئيس الحكومة من ضبط هيكلة إدارية تساعده على تنفيذ برنامج عمل حكومته، عبر إحداث أو تعديل أو حذف الهياكل المذكورة بالمطة الثالثة من الفقرة الأولى من الفصل 92 بعد مداولة مجلس الوزراء وفي غير تلك الراجعة بالنظر إلى رئاسة الجمهورية

ويمثل هذا الاختصاص نقطة يتلاقى فيها القانون الدستوري مع القانون الإداري، إذ يجد التنظيم الإداري للبلاد التونسية في هذه التفرقة بين المؤسسات العمومية والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية أساسا دستوريا له، وتبطن هذه التفرقة تفرقتيْن

تفرقة أولى بين المؤسسات والمنشآت العمومية من جهة والمصالح الإدارية من جهة أخرى، وهي تفرقة سهلة أساسها معيار الشخصية القانونية، فالمصالح الإدارية هي هياكل إدارية لا تحظى بشخصية قانونية، وبالتالي فهي تابعة للدولة ومنضوية تحت لواءها، وخاضعة لمبدأ وحدة شخصيتها القانونية، وعلى أساس ذلك تمارس عليها السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئيس الحكومة ووزرائه سلطة رئاسية (pouvoir hiérarchique)، أما المؤسسات والمنشآت العمومية فهي أشخاص قانون عام مثلها مثل الدولة، لكن ذلك لا يعني أنها تقلت من رقابتها المتمثلة عموما في سلطة الإشراف (pouvoir de tutelle)

أما التفرقة الثانية فهي بين المؤسسات العمومية من جهة والمنشآت العمومية من جهة أخرى، وهذه التفرقة هي أكثر تعقيدا من الأولى، إذ لا يبدو الخط الفاصل بين الصنفين كما نظمهما المشرع التونسي واضحا كما هو بادي في الدستور، فالمؤسسات العمومية بدورها تنقسم إلى صنفين: مؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية (EPA : établissement public à caractère administratif) وأخرى لا تكتسي صبغة إدارية (EPNA : établissement public à caractère non administratif)، ومحور هذه التفرقة نيّة المشرع إبعاد بعض المؤسسات العمومية خاصة تلك التي تمارس نشاطا اقتصاديا صناعيا أو تجاريا عن النظام القانوني الصارم الذي يتميز به القانون العام وإخضاعها لنظام خاص ((régime dérogatoire أكثر مرونة وملائمة لطبيعة نشاطها، أما المنشآت العمومية فقد نظمها المشرع بقائمة حصرية وردت في الفصل 8 من القانون عدد 9 لسنة 1989 المؤرخ في 1 فيفري 1989 المتعلق بالمساهمات والمنشآت العمومية، كما نُقّح بالقانون عدد 74 لسنة 1996 المؤرخ في 29 جويلية 1996 وقد جاء فيه أن المنشآت العمومية هي المؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية والتي تضبط بمقتضى أمر، إلى جانب مختلف أنواع الشركات _والتي هي أشخاص معنوية تخضع للقانون الخاص_ والتي تمتلك الدولة رأسمالها بصفة كلية أو بنسبة تفوق النصف، ونلاحظ هنا التداخل بين المؤسسات العمومية والمنشآت العمومية من حيثية أن المشرع قد أدخل صنفا من المؤسسات العمومية، أي تلك التي لا تكتسي صبغة إدارية في صنف المنشآت العمومية (EPNA entreprise publique) ، إلا أن هذا الخيار التشريعي لا يعني إندثار المؤسسات العمومية ذات الصبغة غير الإدارية، فوحدها التي تذكر في الأمر المشار إليه بالفصل 8 من القانون سالف الذكر هي التي تعتبر منشآت عمومية، أما تلك التي لا تذكر فتبقى مؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية ليست بمنشآت عمومية (EPNA non entreprise publique)

وقد أثار هذا الاختصاص  جدلا على مستوى التطبيق، و كان ذلك موضوع إحدى المطاعن التي تقدمت بها ثلة من النواب لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين ضد مشروع قانون االبنوك والمؤسسات المالية ، وفي قرارها عدد 5/2016 قدمت الهيئة المطعن كالتالي: ” حيث يعيب الطاعنون على واضعي مشروع القانون عدد 09 لسنة 2016 خرق الفصل 92 من الدستور المتضمن في مطته رقم 3 على أن ” يختص رئيس الحكومة بإحداث أو تعديل أو حذف المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء” . تفريعا على أن الفصل 117 من مشروع القانون المذكور خوّل للجنة الإنقاذ حق إحداث منشآت عمومية والحال أن هذه المهمة راجعة بالنظر لرئيس الحكومة دون سواه” ورفضت الهيئة المطعن وجاء في إجابتها: ” وحيث يبدو بادي الوضوح أن النتيجة التي استخلصها الطاعنون بشأن مجافاة ومناقضة أحكام الفصل 117 من القانون المطعون فيه لقاعدة اختصاص رئيس الحكومة في إحداث المنشآت العمومية هي مناط ما وقع من خطأ في تأويل أحكام هذا الفصل ضرورة أن هذه الأحكام لم تتضمن الإفادة أو الإشارة أن مؤسسة المناوبة في شكل منشأة عمومية تتولى إحداثها لجنة الإنقاذ وأن القول بخلاف ذلك يعتبر من قبيل تحميل نص القانون ما لا طاقة لعباراته باحتماله بحسب وضع اللغة المتعيّن مراعاته”

ممارسة السلطة الترتيبية العامة

أسندت الفقرة الأولى من الفصل 94 من الدستور لرئيس الحكومة إختصاص ممارسة السلطة الترتيبية العامة بإصدار أوامر تسمى بالأوامر الحكومية، وتجدر الإشارة إلى أن الأوامر الحكومية يمكن أن تكون أوامرا ترتيبية، وذلك حين تحتوي قواعد عامة ومجردة وملزمة، كما يمكن أن تكون فردية إذا لم يوجد بمحتواها هذا النوع من القواعد، كالأوامر التي تتعلق بتسمية موظفين أو إقالتهم، وإصدار هذا النوع من الأوامر لا يعتبر ممارسة للسلطة الترتيبية العامة بإعتبار أنها لا تستجيب للتعريف الذي أكده

René Chapus : « le pouvoir d’édicter (par décret) des normes de portée générale, susceptibles d’être applicables, tout à la fois, dans l’ensemble du territoire national et dans l’ensemble des matières autres que celles réservées à la loi »

وكنتيجة لهذا التعريف علينا أن نقصي الأوامر التفسيرية التي تتعلق بتفسير طرق تطبيق قانون صدر عن السلطة التشريعية، فتلك الأوامر تشترك مع القوانين في نفس المجال، وبالتالي فهي ليست بأوامر ترتيبية ولا تدخل في مجال السلطة الترتيبية العامة

ولم يبتعد الفصل 65 من الدستور في فقرته الأخيرة كثيرا عن هذا التعريف إلا انه اكتفى بجزئه الأخير أي بالتعريف السلبي، فاقتضى أن تدخل في مجال السلطة الترتيبية العامة المواد التي لا تدخل في مجال القانون، ولهذا النص دلالة هامة، إذ أنه أسند للسلطة التنفيذية بصفة عامة وللحكومة بصفة خاصة دور مركز الثقل في العملية التشريعية بمنحها الاختصاص المبدئي فيها ومنح مجلس نواب الشعب في المقابل اختصاصا استثنائيا من خلال ذكر مجالات القوانين الأساسية والعادية على سبيل الحصر، مما يقطع مع النظرية الكلاسيكية للفصل بين السلط والتي كانت تقوم على برلمان يسن وحده القواعد القانونية، وجهاز تنفيذي ينفذها، وقضاء يطبقها، ويؤسس بالتوازي لاشتراك ما سمي سابقا “سلطة تنفيذية” مع ما سميت سابقا “سلطة تشريعية” في المهمة التشريعية، إشتراك يتقلص فيه دور الثانية في الوقت الذي يتضخم فيه دور الأولى،  وقد عبر الأستاذ حسان مونس في مقاله « Propos sur le principe de séparation des pouvoirs »  عن هذه الفكرة: « La distinction opérée entre un « législatif », c’est-à-dire le parlement, qui fait la loi, et un exécutif (un gouvernement en général), qui exécute la loi, est dans une large mesure, dépassée . Le « vrai législateur » c’est désormais l’ »exécutif » ; le parlement se contente dans la plupart des cas, d’un rôle d’appui et de contrôle  »

ولم يخول الدستور لرئيس الحكومة ممارسة سلطة معيارية أصلية فقط، بل أتاح له أيضا حمايتها من التعدي الممكن عليها من طرف السلطة المعيارية الفرعية، أي عبر مشاريع القوانين المصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب والمخترقة لمجال السلطة الترتيبية العامة، إلا أنه ومقارنة بما اقتضته الفقرة الثانية من الفصل 35 من دستور 1 جوان 1959 وبعد تنقيحه في 27 أكتوبر 1997، والتي كانت تكفل صراحة لرئيس الجمهورية (وهو الذي كان يمارس السلطة الترتيبية العامة وقتها) الدفع لدى المجلس الدستوري بعدم قبول مشاريع القوانين أو التعديلات التي تتضمن تدخلا في مجال السلطة الترتيبية العامة، لم يقر دستور 27 جانفي 2014 ذلك لرئيس الحكومة بصفة مباشرة، إلا أن المطة الأولى من الفصل 120 ضمنت له حق الطعن في دستورية مشاريع القوانين بصفة مطلقة، وبما أن ضبط مجالي القانون والسلطة التريبية العامة قاعدة دستورية، فإن مخالفتها من قبل أحد مشاريع القوانين يمكن أن يكون موضوع طعن في دستوريتها

إلا أن ذلك لا يعني أن ممارسة السلطة الترتيبية العامة اختصاص لا تحده أي رقابة، فالأوامر الترتيبية التي يسميها الدستور بالأوامر الحكومية خاضعة لنوعين من الرقابة، رقابة من داخل الحكومة وأخرى من خارجها، فبالنسبة للنوع الأول فقد ذكره الفصل 94 في صورتين: أولى تتمثل في أن الأوامر الفردية لا يمضيها رئيس الحكومة إلا بعد مداولة مجلس الوزراء، وثانية تتجسد في أن إمضاء رئيس الحكومة ليس الشرط الوحيد لنفاذ الأوامر، فالإمضاء المجاور “من قبل كل وزير معني” _كما جاء بالفقرة الثالثة من الفصل_ أي للوزير أو الوزراء المسؤولين عن القطاع أو القطاعات التي ينظمها الأمر شرط أساسي للنفاذ

أما النوع الثاني من الرقابة فهي رقابة قضائية لا يشير إليها الدستور، بل نجدها في القانون عدد 40 لسنة 1972 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية وخاصة في الفصلين 3 و4 منه، وتتلخص بدورها في صورتين: صورة الفصل 3 الذي أقر بأن المحكمة الإدارية تنظر في دعوى تجاوز السلطة التي ترفع لإلغاء المقررات الصادرة في المادة الإدارية، ويطرح هنا سؤال حول مدى اشتمال العبارة الأخيرة للأوامر ذات الصبغة الترتيبية خاصة وأن هذا الفصل قد ألغيت منه بمقتضى تنقيح سنة 2002 الفقرة التي كانت تنص صراحة على منع توجيه دعوى تجاوز السلطة ضد هذه الأوامر، فبالعودة إلى سياق النص نجد الفقرة الأخيرة من الفصل 33 من نفس القانون والتي نقحت بالقانون الأساسي المؤرخ في 4 فيفري 2002 تقتضي: “ويتم في إطار دعوى تجاوز السلطة تمثيل الدولة من قبل الوزراء المعنيين ومن قبل الوزير الأول بالنسبة للدعوى المتعلقة بالأوامر”، ومما تقدم نستخلص أن الأوامر الترتيبية يمكن أن تكون موضوع دعوى تجاوز السلطة ترفع لإلغائها، مما يجسد الصورة الأولى للرقابة القضائية على السلطة الترتيبية العامة لرئيس الحكومة وهي هنا رقابة حكمية

أما الصورة الثانية فيكفلها الفصل الرابع من القانون وهي رقابة استشارية فرئيس الحكومة ملزم قبل إصداره للأوامر الفردية باستشارة المحكمة الإدارية وطلب رأيها، وهو ما نستشفه من عبارة “تقع استشارة المحكمة الإدارية وجوبا بشأن مشاريع الأوامر ذات الصبغة الترتيبية

وإذا تركنا كل هذا ونظرنا إلى السلطة الترتيبية العامة من حيث جوهرها، لا من حيث نقيضها، نجد أن المصطلح كان بدوره موضوع مطعن  قُدم ضد نفس القانون المتعلق بالبنوك والمؤسسات المالية، وقد لخصت الهيئة المطعن في نفس قرارها المذكور في العنوان السابق كما يلي: حيث تمسّك الطاعنون بأن الفصل 11 في فقرته الأخيرة والفصل 22 في فقرته الثانية والفصول 80 و82 و83 و84 من مشروع القانون مخالفة لأحكام الفصلين 65 و94 من الدستور مؤسسين طعنهم على أن مشروع القانون أسند بمقتضى هذه الفصول سلطة ترتيبية عامة للبنك المركزي التونسي من خلال تخويله إصدار مناشير هي في حكم النصوص التطبيقية لهذا القانون والحال أن السلطة الترتيبية العامة يختص بها دستوريا رئيس الحكومة دون سواه طبقا للفصل 94 من الدستور وهي تتعلق بالمواد التي لا تدخل في مجال القانون حسب الفصل 65 منه“، وقد كان لهذا المطعن نفس مصير المطعن السابق وأجابت عنه الهيئة كما يلي: ” وعليه فإن السلطة الترتيبية التي خوّلها مشروع القانون للبنك المركزي التونسي بالفصول المطعون في دستوريتها محدودة النطاق باعتبارها تنحصر في مجال النشاط المعيّن لهذه المؤسسة لا تمثل تعديا على صلاحيات رئيس الحكومة الذي يختص دستورا بالسلطة الترتيبية العامة”، ونلاحظ هنا أهمية دور القضاء الدستوري في الحسم في الخلط الممكن عند تأويل المصطلحات

صلاحيات أخرى

كما ذكرت بقية الفصل 92 والفصلين 93 و 94 صلاحيات حصرية أخرى لرئيس الحكومة نذكرها بسرعة وهي تتمثل في: إجراء التعيينات في الوظائف المدنية العليا والتي ضبطها الفصل 2 من القانون عدد 33 لسنة 2015 المؤرخ في 19 أوت 2015 على وجه الحصر، والتصرف في الإدارة، وإبرام الاتفاقيات الدولية ذات الصبغة الفنية وقد ورد بالفصل 4 من القانون عدد 29 لسنة 2016 المؤرخ في 5 أفريل 2016 المتعلق بالمصادقة على المعاهدات أن الإبرام يستوفي إجراءاته بأمر حكومي، ودعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد وضبط جدول أعماله، ورئاسة المجلس في غير مجالات الدفاع والخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وفي غير حالة حضور رئيس الجمهورية ، وتأشير قرارات الوزراء

وإضافة إلى هذه الصلاحيات التي تمارس في الحالة العادية، نجد صلاحيات أخرى تٌمارَس في حالات استثنائية

صلاحيات حصرية استثنائية

تقول القاعدة العامة للقانون أن مجال الاستثناء يجب أن يكون ضيّقا ومحددا بإحكام، وذلك لكي لا يتحول الاستثناء إلى خرق للقاعدة ونفي لها، فالمقصود بعبارة حصرية هو أن رئيس الحكومة حينما توكل له هذه الصلاحيات في إطار الاستثناء وفي الحالات المحددة والمضيّقة، يمارسها دون الرجوع إلى أي سلطة أخرى، ونجد هذا الصنف في ثلاثة صور: صورة الفصل 70 من الدستور، وكذلك صورة الفصل 83 وصورة الفصل 84

صورة الفصل 70

وبالتحديد الفقرة الثانية منه، والتي أتاحت لمجلس نواب الشعب بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه أن يفوّض بقانون لرئيس الحكومة إصدار مراسيم تدخل في مجال القانون، أي تتعلّق بالمواد المنصوص عليها بالفصل 65 ، معنى ذلك أن البرلمان يتخلى بإرادته عن اختصاصه التشريعي لصالح رئيس الحكومة، ونظرا لما في ذلك من خروج عن قاعدة الفصل بين السلط، جعل الدستور هذا التخلي مقيدا بشروط إجرائية وأخرى أصلية. بالنسبة للشروط الإجرائية نجد شرطا قبليا يتمثل في أن التفويض يكون بقانون يصادق عليه بأغلبية خاصة هي أغلبية ثلاثة أخماس أعضاء مجلس نواب الشعب وشرطا بعديا يتمثل في أن المراسيم تُعرض فيما بعد على المجلس للمصادقة عليها.

أما بالنسبة للشروط الأصلية فتتمثل في تقييد التفويض من حيث الزمن ومن حيث الموضوع: فيما يتعلق بالمعيار الأول اقتضت الفقرة الثانية من الفصل 70 أن مدة التفويض محدودة لا تتجاوز الشهرين، وفيما يتعلق بالمعيار الثاني يُشترط أن يكون التفويض لغرض معيّن كما أن مجال المراسيم التي يتخذها رئيس الحكومة بمقتضى قانون التفويض لا يمكن أن تشمل في كل الحالات النظام الإنتخابي كما جاء بالفقرة الثالثة من نفس الفصل

إلا أن كل هذه الضمانات التي كرّسها النص الدستوري الصريح لا تنفي خطورة هذه الآلية، ونستشف ذلك من دستور 1 جوان 1959 الملغى الذي كان يكرّسها بالفقرة الخامسة من فصله 28 لفائدة رئيس الجمهورية ومن الممارسة الدستورية التي اتسمت بلجوء مكثّف إلى هذه الآلية مما أدى إلى تحوّل رئيس الجمهورية إلى مشرّع أصلي وتراجع دور البرلمان الذي أصبح مشرّعا تكميليا يزكّي ما يصدره المشرع الأصلي، خاصة مع وجود أغلبية برلمانية ساحقة من نواب ينتمون إلى الحزب المهيمن الذي يرأسه رئيس الجمهورية، كما أكدت الأستاذة بسمة كرّاي في مقالها « la délégalisation en droit tunisien » : « le Parlement se trouve enclin, par connivence entre le gouvernement et la majorité parlementaire, à compresser volontairement au maximum le dispositif de la loi pour laisser au chef de l’exécutif  un champs de manœuvre assez étendu »

إلى جانب إمكانية تحوّله إلى مشرّع مؤقت، يمكن لرئيس الحكومة أن يكون رئيس جمهورية مؤقت بمقتضى الفصلين 83 و 84

صورة الفصل 83

بمقتضى الفصل 83 يمكن لرئيس الحكومة أن يتولى سلطات رئيس الجمهورية لسبب معيّن وهو أن الأخير “تعذر عليه القيام بمهامه بصفة وقتية” ولمدة معيّنة “لا تزيد عن ثلاثين يوما قابلة للتجديد مرة واحدة” أي على ستّين يوما في أقصى الحالات ووفق شكليات معيّنة أوّلها أن التفويض يجب أن يتأتى من رئيس الجمهورية نفسه وأن الأخير يجب أن يعلم رئيس مجلس نواب الشعب بتفويضه المؤقت، وتتشابه مسألة التفويض المؤقت للسلطات مع مسألة الشغور الوقتي التي نظّمها الفصل 84، لكن مع إختلافات تجسّم أهمية الصورة الثانية مقارنة بالأولى

صورة الفصل 84

نصّت الفقرة الأولى من هذا الفصل أنّه “عند الشغور الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية، لأسباب تحول دون تفويضه سلطاته، تجتمع المحكمة الدستورية فورا، وتقرّ الشغور الوقتي، فيحل رئيس الحكومة محلّ رئيس الجمهورية. ولا يمكن أن تتجاوز مدة الشغور الوقتي ستين يوما”، هنا تبدو الصلاحية الاستثنائية مقيّدة أيضا بشروط أصلية وأخرى إجرائية: أصلية تتمثل في حصول شغور وقتي في منصب رئاسة الجمهورية لأسباب تحول دون تفويض سلطاته أو دون تواصل ذلك التفويض الذي لا يمكن أن تتجاوز مدته في كل الحالات الستين يوما كما اقتضى الفصل 83، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن مدة تولي رئيس الحكومة منصب رئيس الجمهورية محدودة زمنا ولا يمكن أن تتجاوز الستين يوما تقرّ المحكمة الدستورية إثر انقضائها الشغور النهائي الذي يعوّض إثره رئيس مجلس نواب الشعب رئيس الحكومة في تولي مهام رئيس الجمهورية، ومن ناحية ثالثة يقيد الفصل 86 مهام القائم برئيس الجمهورية أي رئيس الحكومة عند الشغور الوقتي فيسحب منه حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور، أو اللجوء إلى الاستفتاء، أو حل مجلس نواب الشعب، أما الشروط الإجرائية فتتمثل في ضرورة اجتماع المحكمة الدستورية بصفة فورية وإقرارها للشغور الوقتي وهو ما يجسّد إختلافا عن صورة الفصل 83 الذي يكون تعويض رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية بإرادة الأخير دون تدخل من المحكمة الدستورية

وإضافة إلى هذه الصلاحيات التي يمارسها رئيس الحكومة بطريقة إستئثارية ودون أي تدخل، سواء في الحالة العادية أو في حالات إستثنائية نجد صلاحيات أخرى يمارسها رئيس الحكومة بصفة مشتركة مع رئيس الجمهورية، ويتقاسمها معه

صلاحيات مقيدة لرئيس الحكومة

نقصد بالتقييد هنا أن رئيس الحكومة يتقاسم بعض الاختصاصات مع رئيس الجمهورية، و لا يمارس البعض الآخر إلا بالرجوع إليه لاستشارته أو بمقتضى اقتراح منه، كما أن هناك اختصاصات يعوّض فيها رئيس الجمهورية رئيس الحكومة بصفة وجوبية

تقاسم الاختصاص بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية

وعن الحالة الأولى نشير إلى أن تقاسم الاختصاص لا يعني احتكار كل من الرئيسيْن لاختصاصات متساوية كما أو كيفا، بل نتحدث أساسا عن اختصاص إصدار الأوامر الفردية، والتي سبق وأن ذكرنا أنها لا تدخل في مجال السلطة الترتيبية العامة، فقد اقتضى الفصل 94 من الدستور أن رئيس الحكومة “يصدر الأوامر الفردية” وأنه “تسمى الأوامر الصادرة عن رئيس الحكومة أوامر حكومية”، في حين أن الفصل 78 قد ذكر المواد التي يتدخل فيها رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية، وإذا نظرنا إلى طبيعة هذه المواد المذكورة حصرا تتبين أنها تدخل جميعا في صنف الأوامر الفردية لأنها لا تتعلق بإصدار قواعد عامة ومجردة وملزمة بصفة أوّلية. نستخلص مما سبق أن الدستور قد منح رئيس الحكومة اختصاص إصدار الأوامر الفردية بصفة صريحة دون أن يحدد له مواد معينة، في حين أن نفس الاختصاص قد أُسند لرئيس الجمهورية بصفة ضمنية وداخل مواد محددة، معنى ذلك أنّه لرئيس الحكومة اختصاص مبدئي فهو يصدر الأوامر الفردية المتعلقة بالمواد التي لم يذكرها الفصل 78 أي التي لا تدخل في اختصاص رئيس الجمهورية الذي يعتبر استثنائيا

إلا أن هناك مجالات أخرى يتدخل فيها رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية لم تذكرها القائمة الحصرية ولم يذكر الدستور أنها تنظّم بأوامر رئاسية إلا أن الممارسة و القانون قد أقرا ذلك وهي مجالات لا تتطابق مع طبيعة الأوامر الفردية بل مع الأوامر الترتيبية، ممّا يترجم سعي رئيس الجمهورية إلى اكتساب سلطة ترتيبية عامة على حساب رئيس الحكومة الذي يحتكرها دستوريا، نخص بالذكر مجالين

أول يتعلق بالمصادقة على المعاهدات الموافق عليها من قبل مجلس نواب الشعب والتي اقتضى الفصل 67 من الدستور أنّها لا تصبح نافذة إلا بعد المصادقة عليها، وفرّق بالتالي بين عملية الموافقة والتي تكون بقانون أساسي يصادق عليه المجلس حسب المطة الأولى من الفقرة الثانية من الفصل 65، وبين عملية المصادقة التي لم ينظمها، وأحال المسألة إلى المشرّع الذي يصدر للغرض قانونا عاديا حسب الفقرة الأولى من نفس الفصل، وقد جاء في القانون عدد 29 لسنة 2016 المؤرخ في 5 أفريل 2016 المتعلق بتنظيم المصادقة على المعاهدات وبالتحديد في فصله الثالث أن المصادقة على المعاهدات تكون بأمر رئاسي إثر نشر القانون المتعلق بالموافقة عليها بالرائد الرسمي، ومن المتعارف عليه أن المعاهدات بمجرد المصادقة عليها تطبق كقانون من القوانين الداخلية للدولة، أي كقواعد عامة ومجردة وملزمة، فهل بإمكاننا القول أن رئيس الجمهورية بمصادقته على المعاهدات يتعهد بسلطة ترتيبية ؟ وإن كانت الإجابة بنعم فهل أن هذه السلطة الترتيبية عامة ؟ الجواب على السؤال الأول “لا” وبالتالي لن نكون بحاجة إلى الإجابة على السؤال الثاني، والحجة على ذلك أن السلطة الترتيبية لها معياريْن: إصدار قواعد عامة ومجردة وملزمة من ناحية، وبصفة أولية من ناحية أخرى، أي أن السلطة المصدرة لا يجب أن تسبقها سلطة أخرى في سنّ نفس القواعد أو قواعد تتعلق بنفس المجال، والخلل في الحالة المطروحة أمامنا كامن في استجابتها للمعيار الثاني، إذ أن هناك سلطة سبقت رئيس الجمهورية في إصدار القواعد وهي مجلس نواب الشعب من خلال تصويته بالموافقة على المعاهدة وبالتالي فإن المصادقة ليست إلا إجراءا تكميليا يكمل به رئيس الجمهورية إرادة مجلس نواب الشعب في سن القواعد

المجال الثاني يتعلق بممارسة دستورية لم يكرّسها الدستور، ولكن أفرزها تواتر اللجوء إليها، إذ أنه تطبيقا للفصل 80 من الدستور _وهو فصل سنتعرض إليه لاحقا_ والذي يتعلق بإمكانية اتخاذ رئيس الجمهورية لتدابير استثنائية نظرا لحالة الخطر الداهم، جرت العادة أن يتم إعلان حالة الطوارئ والتمديد فيها بأمر رئاسي، ومن الأمثلة نذكر الأمر الرئاسي عدد 251 لسنة 2015 المؤرخ في 29 نوفمبر2015 والذي جاء بفصله الأول: “تعلن حالة الطوارئ بكامل تراب الجمهورية إبتداءا من 24 نوفمبر 2015 إلى غاية 23 ديسمبر 2015”، وإذا طرحنا نفس الأسئلة التي طرحناها بخصوص المجال الأول، نجيب عن السؤال الأول ب”نعم”، فمن الواضح من خلال نص الفصل الذي ذكرناه أن الأمر الرئاسي يحتوي على قواعد عامة ومجردة وملزمة، ومن الواضح أيضا أن إصدار هذه القواعد كان بصفة أولية، فلم تسبق أي سلطة أخرى رئيس الجمهورية في سنّها، والاستشارة المطلوبة في نص الفصل 80 لرئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب هي صيغة شكلية جوهرية لا تمس من ترجمة هذه القواعد لإرادة رئيس الجمهورية، أما السؤال الثاني فالإجابة عنه لا يمكن أن تكون إلا بالنفي، فلا تعني ممارسة رئيس الجمهورية لسلطة ترتيبية في مجال ضيق ومحدد وعلى أساس نص دستوري صريح أنه قد إنتزع السلطة الترتيبية العامة، والتي من شروطها أن مجالها يكون واسعا، بل يمكن القول أن رئيس الجمهورية بمقتضى هذا الأمر الرئاسي الذي يعلن به حالة الطوارئ ويمددها يمارس سلطة ترتيبية خاصة لا تٌسقط في كل الأحوال قاعدة إحتكار رئيس الحكومة للسلطة الترتيبية العامة

تشاور رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية

وعن الحالة الثانية أي حالة التشاور مع رئيس الجمهورية، فهي مذكورة بالمطة الثانية من الفقرة الأولى للفصل 92، إذ على رئيس الحكومة التشاور مع رئيس الجمهورية عند إقالة أو قبول إستقالة وزير الخارجية أو وزير الدفاع، فكما ألزمت الفقرة الأولى من الفصل 89 على رئيس الحكومة التشاور مع رئيس الجمهورية لتعيين وزيري الخارجية أو الدفاع، فنفس الالتزام يتكرر في حالة إقالة أو قبول استقالة إحدى الوزيريْن، ويمثل ذلك قيدا على حق رئيس الحكومة في إقالة أو قبول إستقالة أعضاء حكومته والذي يُخول له بصفة مطلقة _كما ذكرنا آنفا_ فيما يتعلق ببقية الوزراء

ضرورة توفر إقتراح من رئيس الجمهورية

وعن الحالة الثالثة المتعلقة بضرورة توفر إقتراح من رئيس الجمهورية، فقد إقتضى الفصل 92 من الدستور في المطة الثالثة من فقرته الأولى: “يختص رئيس الحكومة ب: إحداث أو تعديل أو حذف المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية وضبط اختصاصاتها وصلاحيّاتها بعد مداولة مجلس الوزراء، باستثناء الراجعة إلى رئاسة الجمهورية فيكون إحداثها أو تعديلها أو حذفها باقتراح من رئيس الجمهورية”، إذ أن المبادرة فيما يخص إحداث أو تعديل أو حذف المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية الراجعة بالنظر إلى رئيس الجمهورية مكفولة إلى هذا الأخير وحده، فهو الذي يقترح الإحداث أو التعديل أو الحذف من تلقاء نفسه، ولا يجوز لرئيس الحكومة أن يقترح مكانه، وليس له إلا أن يقبل المقترح أو يرفضه، وفي ذلك قيد على حق رئيس الحكومة في الأحداث أو التعديل أو الحذف، إذ أنه لا يحدث ولا يعدل ولا يحذف المنشآت العمومية والمصالح الإدارية الراجعة بالنظر إلى وزارتي الخارجية والدفاع وإلى مؤسسة رئاسة الجمهورية إلا بإقتراح من رئيس الجمهورية

تعويض رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة بصفة وجوبية

وعن الحالة الرابعة المتعلقة بتعويض رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة في ممارسته لإختصاصاته، نعني بذلك ما ورد بالفقرة الثالثة من الفصل 93 من الدستور، إذ يرأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عوض رئيس الحكومة بصفة إستثنائية في صورتين: صورة وجوبية تتعلق بإنعقاد مجلس وزراء يُعنى جدول أعماله المُحدّد من قبل رئيس الحكومة بمسائل متعلقة بالدفاع أو بالخارجية أو بالأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك أمر بديهي بما أن رئيس الجمهورية بمقتضى الفصل 77 الذي ذكرناه سابقا هو الذي يضبط السياسات العامة المتعلقة بهذه المجالات، وصورة أخرى إختيارية إذ خول الدستور لرئيس الجمهورية إمكانية حضور مجالس الوزراء الأخرى غير تلك التي يحضر فيها بصفة وجوبية، وألزمه برئاسة المجلس حين حضوره، ففي الحالتين، سواء منهما الإختيارية أو الإجبارية فإن رئاسته للمجلس وجوبية، وفي ذلك تقييد لصلاحية مبدئية تتعلق بصفة رئيس الحكومة بإعتباره رئيسا لمجلس الوزراء

هذا عن الصلاحيات المقيدة لرئيس الحكومة، قبلها رأينا الصلاحيات الحصرية في إطار تناولنا لتميز الحكومة في النظام السياسي التونسي على المستوى الوظيفي، وقبل ذلك كله تعرضنا إلى تميزها على المستوى الهيكلي، إلا أن خصوصية الحكومة في النظام السياسي التونسي لا تتوقف عند حدود تنظيمها الهيكلي والوظيفي بل تمتد إلى علاقاتها بالسلطة السياسية الأخرى أي السلطة التشريعية أو بشريكها في السلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية

تميز الحكومة في النظام السياسي التونسي من حيث علاقاتها-II

تمتاز الحكومة في النظام السياسي التونسي بأنها محور لعلاقات تأثير متبادل مع السلط السياسية الأخرى، إذ لا ينفي مبدأ الفصل بين السلط وجود ضمانات لتحقيق التوازن بينها، الأمر الذي أقرته توطئة الدستور التونسي والتي هي حسب الفصل 145 “جزء لا يتجزأ منه”، فلا تكتفي الحكومة بالتأثر بالضغط المتأتي من رئيس الجمهورية أو من البرلمان، بل لها وسائل الضغط التي تؤثر بها على هذين الجهتين، وقد جعل هذا التوازن في التأثير بين الحكومة ورئيس الجمهورية من جهة، وبين الحكومة ومجلس نواب الشعب من جهة أخرى النظام السياسي يتأرجح بين خصائص برلمانية تجسدها طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وخصائص رئاسية تجسدها طبيعة العلاقة بين الحكومة (وبالأخص رئيسها) وبين رئيس الجمهورية والتي جعلت السلطة التنفيذية سلطة ثنائية الأقطاب، مما تقدم يخلص أن الحكومة في النظام السياسي التونسي تراوح في علاقاتها بين التأثر الفرع الأول وبين التأثير الفرع الثاني

أ-حكومة متأثرة

أقر الدستور التونسي بوجود وسائل ضغط يقع بها التأثير على عمل الحكومة أو حتى على وجودها إما من قبل رئيس الجمهورية أو من قبل مجلس نواب الشعب

وسائل ضغط رئيس الجمهورية على الحكومة

النظام السياسي التونسي: نظام ذو خصائص رئاسية

يمثل هذا الضغط مظهرا من مظاهر احتواء النظام السياسي التونسي على خصائص رئاسية، فرئيس الجمهورية ليس منصبا شرفيا بروتوكوليا كما هو الحال في النظام البرلماني، بل له دور محوري في ممارسة السلطة خاصة في علاقته بالحكومة، فعلاوة على كونه يقتسم عدة صلاحيات مع رئيس الحكومة كما رأينا سابقا، بإمكانه التأثير على الحكومة ككل وتهديد وجودها لا من خلال إقالة رئيسها أو أعضائها بصفة مباشرة (كما هو الحال في النظام الرئاسي) بل من خلال وضع ثقة البرلمان فيها في موضع تساؤل

طلب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها: وسيلة ضغط غير مطلقة

إذ أتاح الفصل 99 من الدستور لرئيس الجمهورية “أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها” لكن نص الفصل لم يخول لرئيس الدولة ممارسة هذه الصلاحية بصفة مطلقة، إذ ليس له الحق في طرح ثقة الحكومة على المجلس إلا مرتين على الأكثر خلال كامل مدته الرئاسية التي تدوم خمسة سنوات كاملة وذلك بغية ضمان قدر أدنى من الاستقرار لعمل الحكومة.إلا أن ممارسة رئيس الجمهورية لهذه الصلاحية هي بمثابة السلاح ذو حدين، فكما يهدد بها وجود الحكومة، يمكن أن تنقلب إلى تهديد لوجوده

وبالعودة إلى مداولات المجلس الوطني التأسيسي، نلاحظ أن الفصل 99 لم يكن موجودا بالمشروع النهائي الذي قُدّم لمناقشته فصلا فصلا، وقد تمت إضافته بناءا على مقترح توافقي في الجلسة العامة المنعقدة يوم 13 جانفي 2014 والمخصصة لمناقشة الدستور، وقد شرح المقرر العام للدستور الأستاذ الحبيب خضر مبررات إضافة هذا الفصل قائلا: “مدعاة إضافة هذا الفصل هي افتراض إمكانية أن نجد أنفسنا في البلاد فى الوضعية التالية: المجلس لديه صلاحية سحب الثقة من الحكومة والأخيرة حسب الفصل 97 (كان هذا رقم الفصل 98 في المشروع) لديها صلاحية أن تطلب من المجلس أن يصوت على تواصل ثقته فيها من عدمه، عندما تكون الحكومة مدركة أنها إذا طلبت من المجلس التصويت لن يجدد الثقة فيها، والمجلس مدرك أنه إذا كان سيسحب الثقة من الحكومة _وبسبب لائحة اللوم البناءة_ غير قادر على أن يتوافق على رئيس حكومة بديل فيصبح هناك تواطئ بين الجهتين بأنه بلغتنا الدراجة ‘لا تاذيني لا ناذيك’، لا أطلب منك التصويت ولا تقدم ضدي لائحة لوم، مما لا يخدم مصلحة البلاد، ولتفادي هذا التواطؤ، أتاح هذا النص لرئيس الجمهورية عند ملاحظته هذه الوضعية أن يبادر بالطلب من المجلس أن يصوت على تواصل ثقته في الحكومة، فإذا صوت المجلس بأنه لم تعد له ثقة فيها، بمعنى أنها لم تحز على الأغلبية المطلقة لتجديد الثقة فيها، عندها تطبق عليها بقية الأحكام ونتجه إلى تشكيل حكومة جديدة. أما الفرضية الثانية فهي تجديد المجلس الثقة في الحكومة، عندها يكون رئيس الجمهورية قد استعمل هذا السلاح مرة، فإذا استعمل نفس الآلية مرة ثانية والمجلس صدق توقعه ولم يمنح الثقة للحكومة مجددا، نمضي إلى تشكيل حكومة جديدة، أما إذا استعمله للمرة الثانية دون سحب الثقة، فالفكرة المضمرة هي أنه قد تعسف ولهذا يكافأ باعتباره آليا مستقيلا”

تنظيم جلسة التصويت

جاء بالفصل 99 أن مجلس نواب الشعب إثر تقديم رئيس الجمهورية لطلبه يقوم بالتصويت على الثقة للحكومة والذي يكون بمثابة تصويت على تجديد الثقة فيها، ويكون التصويت بالأغلبية المطلقة، وقد نظم الفصل 151 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب جلسة التصويت، ومن أحكامه نستشف أنه يُدعى إلى الجلسة كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكامل أعضائها، وفي مرحلة أولى يقوم رئيس المجلس بعرض موجز لموضوعها وبتذكير بأحكام الفصل 99، وفي مرحلة ثانية، تحال الكلمة لرئيس الجمهورية لشرح فحوى طلبه، ثم إلى رئيس الحكومة إن طلبها، وذلك للرد على ما ورد بكلمة رئيس الجمهورية، ثم إلى أعضاء المجلس للنقاش العام، ثم ثانية إلى رئيس الجمهورية للتفاعل مع تدخلات الأعضاء، ويتم التصويت في جلسة خاصة تنظم بعد رفع الجلسة الأولى

فرضية سحب الثقة من الحكومة

فإن صوت أعضاء المجلس بأغلبيتهم المطلقة على سحب الثقة من الحكومة، أي على عدم تجديد الثقة فيها، تعتبر مستقيلة بكامل أعضائها بمن فيهم الرئيس والوزراء وكتاب الدولة، وحينئذ تعود لرئيس الجمهورية مسألة تكليف الشخصية الأقدر بتشكيل حكومة جديدة تعوض الحكومة المستقيلة في أجل أقصاه 30 يوما، وتعود الفقرات الأولى والخامسة والسادسة من الفصل 89 للانطباق، أي يخضع تشكيل الحكومة الجديدة إلى نفس الإجراءات التي ذكرناها سابقا فيما يتعلق باختيار الوزراء وكتاب الدولة من طرف رئيس الحكومة، ونيل الحكومة لثقة مجلس نواب الشعب، وتسمية رئيس الجمهورية لأعضاء الحكومة وأدائهم لليمين أمامه

ورئيس الجمهورية في هذه الحالة غير ملزم من الناحية القانونية بإجراء مشاورات مع الأحزاب والكتل البرلمانية لإختيار شخصية رئيس الحكومة الجديد، كما رأينا في حالة عدم توصل المكلف بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات إلى تكوين حكومة في الأجل المحدد، فالإختيار هنا يخضع لسلطته التقديرية، وتلك مسألة تجد مبرراتها في كونه صاحب طلب التصويت على الثقة والذي أدى إلى سحب البرلمان ثقته من الحكومة وترتبت عنه إستقالتها

فرضية عدم سحب الثقة من الحكومة

وفيما يخص الفرضية المعاكسة، أي فرضية تصويت أعضاء مجلس نواب الشعب بأغلبيتهم المطلقة ضد طلب رئيس الجمهورية، أي بتجديد الثقة في الحكومة، فقد إقتضت الفقرة الأخيرة من الفصل 99 : “في حالة تجديد المجلس الثقة في الحكومة، في المرتين، يعتبر رئيس الجمهورية مستقيلا”، هنا نحن أمام فرض و أمام حكم: فرض تجديد المجلس الثقة في الحكومة في المرتين وحكم إعتبار رئيس الجمهورية مستقيلا، نلاحظ أن الفرض الأصلي الذي نحن بصدد دراسته قد جاء مقيدا، إذ إشترط الفصل لكي يعتبر رئيس الجمهورية مستقيلا، أن يجدد مجلس نواب الشعب الثقة في الحكومة في المرتين اللتان يستعمل فيهما الرئيس حقه في طلب التصويت على مواصلة الحكومة لنشاطها، أي حين يستوفي كل فرصه في الضغط على الحكومة. وقد سكت الفصل عن إعطاء حكم لفرض تجديد المجلس الثقة في الحكومة في مرة واحدة، وفي حالة غياب النص نعتمد القياس، ونلاحظ أن الفرض المسكوت عن حكمه هو نقيض الفرض المنطوق بحكمه، لذلك نعمل قياس العكس، فنعطي حكم المسكوت عنه تقيض حكم المنطوق به

مما تقدم يخلص أنه يوجد داخل فرضية تجديد المجلس الثقة في الحكومة فرضيتان فرعيّتان: أولى تتعلق بتجديد المجلس الثقة في الحكومة في المرة الأولى التي يطلب فيها رئيس الجمهورية منه (مجلس نواب الشعب) التصويت على مواصلتها لنشاطها (الحكومة)، هنا تواصل الحكومة مهامها، وذلك أمر بديهي بإعتبار أن الثقة قد تجددت، كما يواصل رئيس الجمهورية مهامه، وثانية تتعلق بتجديد المجلس الثقة في الحكومة في المرة الثانية التي يستعمل فيها رئيس الجمهورية آلية الضغط المذكورة، هنا يعتبر رئيس الجمهورية مستقيلا

فإذا تركنا كل ذلك، وتطرقنا إلى الأهمية السياسية لوسيلة الضغط المذكورة، نجد أن طلب رئيس الجمهورية من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها إستفتاءا غير مباشر يوجهه للشعب لتقييم عمل الحكومة وذلك يكون إما إثر أزمة سياسية بين رئيس الجمهورية والحكومة أو خطأ سياسي فادح تقوم به الحكومة أثناء آدائها لمهامها، مما يستوجب تدخل رئيس الجمهورية بصفته منتخبا من الشعب إنتخابا عاما وحرا ومباشرا وسريا كما إقتضى ذلك الفصل 75 من الدستور، لإستفتاء نواب الشعب حول مواصلة الحكومة لمهامها

وسيلة ضغط يصعب اللجوء إليها سياسيا

ولئن كان الأمر مباحا من الناحية القانونية، فإن هذه الآلية التي يراقب بها رئيس الجمهورية الحكومة يصعب إعتمادها لمبررات سياسية، إذ من المنطقي أن يقدم الحزب الفائز بأغلبية المقاعد في الانتخابات التشريعية مرشحا للانتخابات الرئاسية، والغالب أن تتجه نفس القاعدة الانتخابية الواسعة التي صوتت للحزب في الانتخابات التشريعية إلى التصويت إلى مرشحه في الانتخابات الرئاسية مما يسهل انتخابه كرئيس للجمهورية، كما كان الحال في الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014، فبعد فوز حركة نداء تونس ب82 مقعدا في مجلس نواب الشعب، فاز مرشحها الباجي قايد السبسي بمنصب رئاسة الجمهورية في الدورة الثانية بنسبة وصلت إلى 56 %، وأمام وحدة الانتماء السياسي لرئيس الجمهورية ولغالبية أعضاء الحكومة، يكون من العسير أن تتعارض المصالح بين الحكومة ورئاسة الجمهورية بشكل يؤدي إلى الإلتجاء إلى هذه الخطوة الدستورية التي تعتبر ضربا من ضروب التصعيد

إلا أن صعوبة إتخاذ هذه الخطوة من قبل رئيس الجمهورية لا تنفي ممارسة ضغط سياسي من قبله على الحكومة، وتهديدها في وجودها في أطر خارجة عن مجلس نواب الشعب، وهو ما أقدم عليه رئيس الجمهورية الحالي الباجي قايد السبسي حينما إقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية في حديث تلفزي بث له يوم 2 جويلية 2016، الشيء الذي صرح رئيس الحكومة الحبيب الصيد فيما بعد بعدم علمه به، وهو ما يؤكد أننا أمام دعوة غير مباشرة لحكومة الحبيب الصيد إلى الإستقالة، بل أمام ضغط رئيس الجمهورية على رئيس الحكومة لتقديم إستقالته، أي أمام إقالة مقنعة

وقد تحدث عدد من الخبراء الدستوريين بعد هذا الحدث عن صورة الفصل 99، إلا أن رئيس الجمهورية إختار أن يترك كل القواعد الدستورية جانبا وأن يمضي في ضغطه السياسي دون إستعمال الوسائل المخولة له دستوريا، فبعد أن طرح مبادرته دعى الأطراف السياسية والإجتماعية (الإتحاد العام التونسي للشغل والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة) التي إستجابت لها إلى قصر الرئاسة لخوض حوار وطني إنتهى بتوقيع “وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية” أو ما سمي ب”إتفاق قرطاج” خلال موكب رسمي يوم 13 جويلية 2016

وبهذه الوثيقة، لم يخير رئيس الجمهورية الضغط السياسي على الحكومة على إمكانية طرحه لثقتها على البرلمان فحسب، بل قام بوضع برنامج عمل للحكومة التي بادر بإقتراح تشكيلها، واضعا حكومة الحبيب أمام الأمر الواقع، ومؤسسا لممارسة دستورية موازية تقتضي بأن تسطر رئاسة الجمهورية أولويات الحكومة بعد حوار مع مجموعة أطراف إجتماعية وسياسية أغلبها غير برلمانية ولا تمثل ما إستقرت عليه إرادة الشعب في الانتخابات التشريعية والحال أن الفقرة الرابعة من الفصل 89 الذي سبق وأن تناولنا محتواها تقتضي أن الحكومة تضع بنفسها برنامج عملها وتعرض موجزه على مجلس نواب الشعب لنيل ثقته، وهنا تتأكد مقولة الفقيه مارسيل بريلو بوجود الدستور الذي إعتقد واضعوه أنهم صنعوه، والدستور الذي أفرزته الحوادث فعلا، أي دستور رسمي يتمثل في الوثيقة الدستورية، ودستور فعلي يتمثل في الحياة السياسية

وهذا المثال الذي ذكرناه هو من تجليات الدستور الفعلي

ويبدو أن دور مجلس نواب الشعب لن يكون في النهاية إلا شكليا، إذ سيسعى واضعوا الدستور الفعلي إلى إضفاء المشروعية على ممارساتهم من خلال الدستور الرسمي، وستمثل قاعة المجلس في قصر باردو مسرحا لتنفيذ ما حسمته الحسابات السياسية في كواليس قصر قرطاج

هذا عن وسائل ضغط رئيس الجمهورية على الحكومة، وفيها نجد تقاسمه لبعض الاختصاصات مع رئيس الحكومة، وهو ما ذكرناه سابقا تحت عنوان الصلاحيات المقيدة لرئيس الحكومة، كما نجد أيضا مسألة طلب رئيس الجمهورية من مجلس نواب الشعب التصويت على مواصلة الحكومة لنشاطها، إلى جانب الضغط المسلط من قبل رئيس الجمهورية، يمارس مجلس نواب الشعب بدوره ضغطا على الحكومة

وسائل ضغط مجلس نواب الشعب على الحكومة

ضغط أكثر أهمية من ضغط رئيس الجمهورية

لئن اقتصر ضغط رئيس الجمهورية على الحكومة على وسيلة صريحة وأخرى ضمنية، فإن ضغط مجلس نواب الشعب يبدو أكثر أهمية كما أنه متشعب الوسائل، وذلك راجع إلى ما أقره صراحة الفصل 95 من الدستور بأن “الحكومة مسؤولة أمام مجلس نواب الشعب”، وهو ما يجسد خاصية برلمانية للنظام السياسي التونسي، إذ تعتبر الحكومة في النظام البرلماني مسؤولة أساسا أمام البرلمان، وذلك أمر طبيعي، فهي منبثقة عنه، كما أنها لا تباشر مهامها إلا بعد نيل ثقته

ووسائل ضغط مجلس نواب الشعب على الحكومة ثلاث حسب ما جاء بالدستور وهي: الأسئلة الكتابية والشفاهية، ولائحة اللوم وطلب سحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة، كما أضاف النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب وسيلة أخرى وهي جلسات الحوار مع الحكومة، وهنا تطرح مجددا الإشكالية المتعلقة بمشروعية تكميل الأنظمة الداخلية للبرلمانات لأحكام الدستور دون إحالة صريحة منه، ويمكن رد هذه الوسائل الأربعة إلى قسمين: وسائل متعلقة بعمل الحكومة وأخرى تتعلق بوجودها

وسائل متعلقة بعمل الحكومة

داخل هذا القسم الأول نجد الأسئلة الكتابية أو الشفاهية من جهة، وجلسات الحوار مع الحكومة من جهة أخرى

الأسئلة الكتابية والشفاهية

فإذا بدأنا بالأسئلة الكتابية أوالشفاهية نجد الفصل 96 من الدستور يقول: “لكل عضو بمجلس نواب الشعب أن يتقدم إلى الحكومة بأسئلة كتابية أو شفاهية طبق ما يضبطه النظام الداخلي للمجلس”، وقد أحال الفصل على النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب بصفة صريحة، وفصّل هذا الأخير في النظام القانوني للأسئلة الكتابية أو الشفاهية في فصليه 145 و146

ففيما يخص الأسئلة الكتابية، نص الفصل 145 أنها تقدم في صيغة موجزة إلى رئيس المجلس، ويتولى مكتب المجلس في أجل ثمانية أيام من تلقيها إحالتها على الحكومة التي تكون ملزمة بموافاة رئيس المجلس بجواب في أجل أقصاه 10 أيام من تاريخ تلقي السؤال، وتسلم نسخة من الجواب إلى العضو الذي قدم السؤال الكتابي، كما ينشر السؤال والجواب عليه في الرائد الرسمي المتعلق بمداولات المجلس

أما الأسئلة الشفاهية، فقد نظمها الفصل 146، فهي تطرح من قبل عضو من أعضاء مجلس نواب الشعب على عضو من أعضاء الحكومة خلال جلسة عامة، ويقدم عضو المجلس الذي سيطرح السؤال الشفاهي إلى رئيس المجلس إعلاما كتابيا يتضمن فحوى السؤال وعضو الحكومة المعني بالإجابة، ويبت مكتب المجلس في الإعلام ويحدد موعد الجلسة العامة التي ستخصص لطرح السؤال والإجابة عنه على أن لا يتجاوز الموعد أجل خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم الإعلام الكتابي، ويتكلف مكتب المجلس بإعلام الحكومة بموضوع السؤال وموعد الجلسة العامة المُحدّد

وبعيدا عن كل هذه الصيغ الإجرائية، تعتبر الأسئلة كتابية كانت أو شفاهية وسيلة هامة يمتلكها المجلس للضغط على الحكومة، فلئن لا تهدد الأسئلة الحكومة في وجودها، فهي تخضع عملها للرقابة الدائمة، كما أن طابعها العلني، سواء من خلال نشر الأسئلة الكتابية وعلنية جلسات الإجابة عن الأسئلة الشفاهية، يكفل للمواطنين الإطلاع الدائم على جوانب العمل الحكومي

جلسات الحوار مع الحكومة

إلى جانب الأسئلة الكتابية أو الشفاهية، هناك وسيلة ضغط أخرى مشابهة، لا تتعلق بالضغط على الحكومة في وجودها، بل بالرقابة الدائمة على نشاطها، وهي جلسات الحوار مع الحكومة، هذه الوسيلة لم يكرّسها الدستور، بل وقع إدراجها بالفصل 147 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب والذي جاء بنصّه: “يخصص المجلس جلسة للحوار مع أعضاء الحكومة حول التوجهات العامة والسياسات القطاعية مرة كل شهر وكلما دعت الحاجة بطلب من المكتب أو بأغلبية أعضاء المجلس”، وتدلّ صيغة هذا الفصل أن جلسات الحوار مع الحكومة هي في الأصل جلسات قارة ودورية تنظم مرة كل شهر، إلا أنها يمكن أن تعقد بصفة استثنائية، وهو ما تشير إليه عبارة “كلما دعت الحاجة”، وإن الجهات المخولة بالدعوة لانعقاد جلسات استثنائية للحوار مع الحكومة قد حددها الفصل على وجه الحصر وهي مكتب مجلس نواب الشعب وأغلبية أعضاءه

إلى جانب هذين الوسيلتين اللتان يراقب بهما مجلس نواب الشعب عمل الحكومة بصفة دائمة، هناك وسائل ضغط أخرى قد يهدد بها البرلمان الحكومة في وجودها

وسائل متعلقة بوجود الحكومة

قد يهدد مجلس نواب الشعب الحكومة في وجودها إما بصفة كلية أو بصفة جزئية

الشكل الكلي: لائحة اللوم

وعن الشكل الكلي، نجد الفقرات الأولى والثانية والثالثة من الفصل 97 من الدستور تنظم كيفية إعتماد مجلس نواب الشعب لتقنية لائحة اللوم ضد الحكومة

مرحلة ما قبل جلسة التصويت

وإهتمت الفقرة الأولى بطريقة تقديم لائحة اللوم وبأجل تنظيم جلسة عامة للتصويت عليها: وبالنسبة لإجراءات تقديم لائحة اللوم، فقد ذكر الدستور أنها تكون بطلب معلل يُرفع لرئيس مجلس نواب الشعب من قبل ثلث أعضاءه على الأقل، وتعمق الفصل 148 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب في إجراءات تقديم اللائحة، فبعد أن أعاد في فقرته الأولى نسخ ما ورد بالفقرة الأولى من الفصل 97 من الدستور، أضاف أن رئيس مجلس نواب الشعب يحيل الطلب المقدم له فور تقديمه لمكتب المجلس الذي يعد تقريرا حول مشروع اللائحة في أجل أسبوع، ونلاحظ أنه بمجرد أن يكون الطلب معللا ومرفقا بإمضاءات ثلث أعضاء المجلس على الأقل، فإنه يكون مقبولا، ولا ينظر مكتب المجلس في أصل الطلب أي في أسبابه، بل يكتفي بالنظر في مدى إحترامه للإجراءات الشكلية، فإذا تركنا كل ذلك يتبادر إلى أذهاننا سؤال فحواه: إذا إنتهى أجل إعداد مكتب المجلس لتقريره وكان التقرير جاهزا، هل يكون التصويت على لائحة اللوم فوريا ؟ أجاب الدستور في فقرته الأولى وكذلك الفصل 148 الذي سبق معنا بالنفي، وبنص الدستور جاء : “لا يقع التصويت على لائحة اللوم إلا بعد مضي خمسة عشر يوما على إيداعها لدى رئاسة المجلس” أما النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب فقد ورد بالفقرة الثانية من فصله المذكور: “يدعو رئيس المجلس الجلسة العامة للإنعقاد بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا في أجل أدناه خمسة عشر يوما واقصاه شهر من تاريخ تقديم الطلب وذلك لمناقشته وإتخاذ قرار في شأنه”، فإذا أنهى مكتب المجلس إعداد تقريره حول مشروع اللائحة في أجل أسبوع من تقديم الطلب، يكون قد تبقى أجل آخر يترواح بين 5 أيام و20 يوما لتنظيم جلسة التصويت

جلسة التصويت: فرضية سحب الثقة من الحكومة

هذا عن المرحلة السابقة لجلسة التصويت على لائحة اللوم، أما عن الجلسة في حد ذاتها فقد وضعت الفقرة الثانية من الفصل 97 شرطين لسحب الثقة من الحكومة: أولهما موافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء مجلس نواب الشعب، وهذا شرط قبلي، لأنه يأتي قبل سحب الثقة، وبمجرد حصوله تًعتبر الحكومة مستقيلة، وثانيهما تقديم مرشح بديل لرئاسة الحكومة بديل رئيس الحكومة الذي وقعت إقالته، وهذا شرط بعدي لأنه يأتي بعد سحب الثقة، إذ لتفادي حالة الفراغ، يقوم مجلس نواب الشعب، مباشرة بعد تصويت الأغلبية المطلقة لأعضاءه بسحب الثقة من الحكومة المُقدم في حقها لائحة لوم، بتصويت آخر يصادق فيه على ترشيح شخصية أخرى بديلة لرئاسة الحكومة، ويقوم رئيس الجمهورية بعد ذلك بتكليف شكلي لهذا المرشح وفق أحكام الفصل 89. وهذه هي الحالة الوحيدة تقريبا التي يتدخل فيها مجلس نواب الشعب بصفة مباشرة في تعيين رئيس الحكومة، وبالنظر إلى طبيعة الحالة نجد أن هذا التدخل مُبرَّر، فبما أن مجلس نواب الشعب هي الجهة التي صدرت عنها لائحة اللوم التي ترتب عنها سحب الثقة من الحكومة، فهي التي تعود لها مسؤولية تقديم البديل، وذلك قياسا على حالة طلب رئيس الجمهورية التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، والتي تناولناها في العنوان السابق، فإذا تم سحب الثقة من الحكومة بناءا على هذا الطلب، يكون رئيس الجمهورية ملزما بتكليف الشخصية الأقدر بتشكيل حكومة جديدة

إلا أن ذلك لا يمنع إحتواء الفقرة الثانية على مشاكل تأويلية: مشكل أول يتعلق بترشيح شخصية جديدة لرئاسة الحكومة، فلئن صرحت بأن مجلس نواب الشعب يصادق على ترشيح رئيس حكومة جديد، إلا أنها لم تحدد الجهة المكلفة بترشيحه، هنا يمكننا القول بأن الإرادة المفترضة لواضع الدستور هو أن يجعل من عملية الترشيح مسألة واقعية لا قانونية، وبالتالي يخضع الترشيح للتوازنات السياسية المتحركة والمتغيرة

ومشكل ثاني يتعلق بالأغلبية المطلوبة للمصادقة على المرشح لرئاسة الحكومة والتي لم يتعرض لها الفصل، ويمكن أن نجد حلا لهذا المشكل بإعتماد قياس المثل، فالمصادقة على ترشيح شخصية لرئاسة الحكومة كأنه منح ثقة أولي للحكومة التي ستشكلها هذه الشخصية، وبالتالي نجري حكم الأغلبية المطلوبة لمنح الثقة للحكومة على فرض الأغلبية المطلوبة لمنح الثقة لرئيس الحكومة، وبالعودة إلى الفقرة الخامسة من الفصل 89 نجد أن الأغلبية المطلوبة لمنح الثقة للحكومة هي الأغلبية المطلقة، وبالتالي تكون الأغلبية المقصودة للمصادقة على ترشيح رئيس الحكومة هي أيضا الأغلبية المطلقة

ومشكل ثالث يتعلق بعدم وجود حكم لفرض عدم مصادقة المجلس على ترشيح المرشح الجديد، هنا يمكن القول أن قصد السلطة التأسيسية الأصلية من وضع تقنية المصادقة على ترشيح رئيس حكومة جديد بعد سحب الثقة من الحكومة القديمة هو تفادي حالة الفراغ، وبالتالي إذا لم يُصادق على ترشيح الشخصية المُقترحة، يقع إقتراح شخصية أخرى وإعادة التصويت على ترشيحها

جلسة التصويت: فرضية عدم سحب الثقة من الحكومة

فإذا تركنا كل هذا وعدنا إلى محتوى الفقرة الثانية نجد أننا أمام فرض أسند له حكمان: فرض سحب الثقة من الحكومة إثر تقديم لائحة لوم ضدها وحكم أول لم يصرح به الفصل ولكنه بديهي وهو استقالة الحكومة، وحكم صرح به الفصل 97 وهو المصادقة على ترشيح شخصية بديلة وتكليفها من قبل رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة وفق أحكام الفصل 89 ، نتساءل عن حكم الفرض المعاكس، أي فرض عدم سحب الثقة من الحكومة إثر تقديم لائحة لوم ضدها

تجيب الفقرة الثالثة من الفصل 97 أنه في “صورة عدم تحقق الأغلبية المذكورة، لا يمكن أن تُقدم لائحة لوم مجددا ضد الحكومة إلا بعد مضي ستة أشهر”، ففي حالة مواجهة الحكومة للائحة لوم من قبل البرلمان دون أن يقع سحب الثقة منها بناءا على هذه اللائحة، تعتبر الحكومة منتصرة من الناحية السياسية، إلا أن انتصارها لا يقتصر على تجديد البرلمان الثقة فيها فحسب، بل أيضا على تقييد حق البرلمان في التوجه ضدها بلائحة لوم لمدة ستة أشهر تبتدئ من تاريخ جلسة التصويت، ويمكن للحكومة خلال هذه الأشهر الستة أن تمارس مهامها دون أي رقابة قد تهددها في وجودها

حالتيْ عدم جواز التوجه بلائحة لوم ضد الحكومة

إلا أن الفصل 148 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب قد ذكّر في فقرته الأخيرة بحالتين لا يمكن التوجه فيهما للحكومة بلائحة لوم وأشار إلى الفصلين 80 و86 من الدستور: فإذا عدنا إلى الفصل 80، قلنا أنه يعنى بالتدابير التي يتخذها رئيس الجمهورية “في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة”، وقد ورد بالفقرة الثانية من هذا الفصل تقييد لصلاحية رئيس الجمهورية في حل مجلس نواب الشعب، وكذلك تقييد لتقديم البرلمان للائحة لوم ضد الحكومة، ويعني ذلك أنه طوال مدة العمل بالتدابير الاستثنائية، وهذه المدة هي أوليا ثلاثون يوما تبت المحكمة الدستورية بعد إنقضاء الأجل في تمديدها، تمارس الحكومة عملها دون أي رقابة برلمانية. أما عن الفصل 86 فقد ورد بفقرته الثانية أنه “خلال المدة الرئاسية الوقتية يُنتخب رئيس جمهورية جديد لمدة رئاسية كاملة، كما لا يمكن تقديم لائحة لوم ضد الحكومة”، لدينا في هذا النص عبارة غامضة وهي “المدة الرئاسية الوقتية”، والعبارة الغامضة تأوّل بالعودة أولا إلى قصد واضع القانون منها ثم إلى معناها العرفي إذا لم نجد قرينة تدل على القصد ثم إلى معناها اللغوي إذا لم يوجد معنى عرفي، وفي حالتنا نكتفي بالمرحلة الأولى، إذ بالعودة إلى سياق النص نجد الفصل 84 يتحدث عن حالة الشغور النهائي، وقد قدم حكما لفرض توفر سبب من أسبابه وجاء بنصه “تجتمع المحكمة الدستورية فورا وتقر الشغور النهائي، وتبلغ ذلك إلى رئيس مجلس نواب الشعب الذي يتولى فور مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما” ونستشف من هذا النص أن المدة الرئاسية الوقتية هي المدة التي يتولى فيها رئيس مجلس نواب الشعب مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة إثر إقرار الشغور النهائي من طرف المحكمة الدستورية فور توفر سبب من أسبابه وتتراوح بين 45 و90 يوما

وإن كان تقييد تقنية لائحة اللوم في صورة الفصل 80 مفهوما، فإن صورة الفصل 86 تبدو غير مفهومة، فإن كانت حالة الشغور النهائي قد أُقرّت بمنصب رئيس الجمهورية، وإن كان قد وقع حذف بعض الصلاحيات العادية لرئيس الجمهورية من القائم بأعماله خلال المدة الرئاسية الوقتية، فما علاقة مجلس نواب الشعب والحكومة بهذا الشغور كي لا يكون للأول الحق في تقديم لائحة لوم ضد الثانية أثناء هذه المدة ؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا لا نجد في قائمة الصلاحيات الرئاسية التي لا يحق للقائم بمهام رئيس الجمهورية ممارستها صلاحية طلب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها والتي تطرقنا لها في العنوان السابق، معنى ذلك أنه خلال المدة الرئاسية الوقتية يجوز لرئيس الجمهورية الوقتي أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها في الوقت الذي يُحرم فيه المجلس من التقدم بلائحة لوم ضدها، أي أن الدور الرقابي على الحكومة مخول لشخص غير منتخب، وغير مخول لمجلس إنتخبه صاحب السيادة “إنتخابا عاما، حرا، مباشرا، سريا، نزيها، وشفافا” كما جاء بالفصل 55 من الدستور

لائحة اللوم: آلية قانونية دون فاعلية واقعية

فإذا فرغنا من كل هذا، ونظرنا إلى لائحة اللوم من حيثية قيمتها السياسية، نجد أنه لا قيمة سياسية لها في ظل المشهد السياسي الحالي في تونس، فنظام الإقتراع بالتمثيل النسبي كما ذكرنا سابقا لا يضمن للحزب الفائز في الانتخابات التشريعية الحكم بمفرده، لذلك لا تشكل الحكومات في تونس إلا على أساس ائتلافات سياسية، وعادة ما تضمن الائتلافات للحكومة أغلبية مريحة في البرلمان تحصنها من تقديم لائحة اللوم، فلا تتوصل الكتل المعارضة غالبا إلى تحقيق الحد الأدنى من التوقيعات لتقديم اللائحة، وإذا توصلت فإنها لا تتمكن من تحقيق الأغلبية المطلقة التي ستضمن لها سحب الثقة من الحكومة، وأحسن دليل على ذلك أن حكومة الحبيب الصيد ومنذ تشكيلها لم تواجه أي لائحة لوم، وحتى حينما تم التنصيص على هذه التقنية في القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية المؤرخ في 16 ديسمبر 2011، فإنه طوال الفترة التأسيسية لم يقدم المجلس الوطني التأسيسي أي لائحة لوم ضد الحكومات المتعاقبة، ولم تكن إستقالة الحكومات خلال الأزمات السياسية العاصفة التي مرت بها البلاد خلال هذه الفترة ناتجة إلا عن إستقالة رؤساءها تحت ضغط الأزمة، فبعد إغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فيفري 2013، أعلن رئيس الحكومة حمادي الجبالي إستقالته وإستقالة حكومته، وعُوّض بوزير داخليته علي لعريض الذي أعاد تشكيل إئتلاف الترويكا الحاكم بعد إنحلاله وكوّن على أساسه حكومة جديدة لم تعمّر طويلا، فبعد حدوث إغتيال سياسي ثاني إستهدف هذه المرة الشهيد محمد البراهمي يوم 25 جويلية 2013، إستقالت حكومة علي لعريض بعد شد وجذب كبير، وعُوّضت بحكومة تكنوقراط ترأسها المهدي جمعة

وما نلاحظه بسردنا لهذه الوقائع السياسية أن تعاقب الحكومات لا ينتج عن لوائح لوم، بل عن أزمات سياسية يعاد على إثرها تشكيل الإئتلاف الحاكم خارج قبة البرلمان، ويكون دور البرلمان منحصرا في منح الثقة للحكومات الجديدة، وذلك ما حصل _ولو بدرجة أقل_ في التحوير الوزاري الذي قام به الحبيب الصيد لحكومته يوم 6 جانفي 2016، لذلك فإن لائحة اللوم حتى وإن قُدّمت في المستقبل فهي لن تهدف إلا للفت نظر الرأي العام حول السياسات الخاطئة للحكومة، ومن الصعب أن تصل إلى حد سحب الثقة منها

هذا عن الشكل الكلي الذي يهدد به البرلمان الحكومة في وجودها عن طريق تقنية لائحة اللوم

الشكل الجزئي: طلب سحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة

أما فيما يخص الشكل الجزئي، فقد تناولت الفقرة الأخيرة من الفصل 97 الذي سبق معنا إمكانية سحب مجلس نواب الشعب ثقته من أحد أعضاء الحكومة، والملاحظ أن سحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة يخضع لنفس الإجراءات ويتطلب نفس الأغلبية وهي الأغلبية المطلقة، فقد ذكرت الفقرة الأخيرة من الفصل 97 أنه يكون بعد طلب معلل يقدم لرئيس مجلس نواب الشعب من ثلث أعضاءه على الأقل، وأن التصويت على سحب الثقة يتم بالأغلبية المطلقة، إلا أن التشابه يبدو أكثر وضوحا من خلال نص الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 148 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب والذي جاء فيه “تنطبق نفس الآجال ونفس الأغلبية عندما يتعلق الأمر بطلب سحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة”، وقد سكت النص عن إعطاء حكم لفرض طلب سحب الثقة من عضوين أو أكثر من أعضاء الحكومة، ومن الوارد أن واضع الدستور كانت له غاية من عدم وضع هذا الحكم، وهي أنه إذا أختلت ثقة البرلمان في أكثر من عضو من أعضاء الحكومة، تكون قد اختلت في الحكومة بأكملها، ويكون من باب أولى وأحرى تقديم لائحة لوم ضد الحكومة ككل، إلا أنه من الوارد أيضا أن يقع طلب سحب الثقة من عضوين أو أكثر من الأعضاء دون الحكومة كهيئة، هنا وباعتماد القياس نجد أن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، وبالتالي نجري حكم الثاني على الأول، ويكون طلب سحب الثقة من عضوين أو أكثر خاضعا لنفس الإجراءات ونفس الأغلبية التي يتطلبها سحب الثقة من عضو واحد

وجدير بالذكر هنا أن السلطة التأسيسية الأصلية قد تفادت في سحب الثقة من الوزراء ما وقعت فيه فيما يتعلق بمنح الثقة لهم، فلئن سكتت عن وضع نص ينظم منح الثقة لوزير أو لأكثر، فقد أوردت نصا صريحا ينظم سحب الثقة من الوزراء كأفراد.

هكذا نكون قد فرغنا من ذكر جميع وسائل ضغط مجلس نواب الشعب على الحكومة، قبلها تناولنا وسائل ضغط رئيس الجمهورية على الحكومة

وبذلك نكون قد أتممنا التطرق إلى مظاهر تأثر الحكومة بغيرها من السلطات السياسية، ولتحقيق التوازن المنشود بين السلط، جعل الدستور التونسي الحكومة مؤثرة إلى جانب تأثرها

ب-حكومة مؤثرة:

تمتلك الحكومة بدورها وسائل ضغط للتأثير إما على رئيس الجمهورية أو على مجلس نواب الشعب

وسائل ضغط الحكومة على رئيس الجمهورية

ضغط من خلال التقييد

تضغط الحكومة على رئيس الجمهورية وتراقبه من خلال تقييد بعض صلاحياته المحددة حصرا بالفصلين 77 و78 من الدستور، فكما يتقاسم رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة بعض الصلاحيات المسندة لهذا الأخير بصفة أصلية، يقيّد رئيس الحكومة ممارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته، وكما رأينا فيما يتعلق بتقييد رئيس الجمهورية لصلاحيات رئيس الحكومة، قد تختلف درجات التقييد في الاتجاه المعاكس، مما يجعله مختلف الأشكال، فقد يقتصر على الاستشارة، وقد يتجاوزها إلى ضرورة الموافقة، وقد يتخطى ذلك كله ليصل إلى ضرورة توفر إقتراح من رئيس الحكومة، كل ذلك في الحالة العادية، أما في الحالة الإستثنائية يتخذ التقييد شكلا واحدا هو ضرورة التوافق مع رئيس الحكومة

التقييد العادي
استشارة رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة

ذكر لفظ الاستشارة في القسم الأول المتعلق برئيس الجمهورية من الباب الرابع المتعلق بالسلطة التنفيذية في ثلاثة مواضع، أولها في الفصل 77 وثانيها في الفصل 78 وثالثها في الفصل 80

 77صورة الفصل

هذه الصورة ذكرناها سابقا حين تناولنا الصلاحيات الحصرية لرئيس الحكومة، وهي متعلقة باختصاص ضبط السياسة العامة، وقد ذكرنا سابقا أن الدستور منح لرئيس الحكومة الإختصاص المبدئي في ضبط السياسة العامة في حين أنه خول لرئيس الجمهورية اختصاصا استثنائيا في مجالات ورد ذكرها على سبيل الحصر وهي الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية، إلا أن هذا الاختصاص بالإضافة إلى كونه استثنائي مضيق، فإن ممارسة رئيس الجمهورية له ليست مطلقة وغير خاضعة لأي رقابة، إذ أن هذا الأخير مقيّد ومطالب باستشارة رئيس الحكومة، والفقرة الأولى من الفصل 77 واضحة في هذا المعنى، إذ جاء بنصها: “يختص (رئيس الجمهورية) بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة”

78صورة الفصل

ورد بالمطة الثالثة من الفصل 78: “يتولى رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية: التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي بعد إستشارة رئيس الحكومة”، وإذا نظرنا إلى محتوى النص وجدنا أن صورة الفصل 78 هي إحدى تفريعات صورة الفصل 77، فبما أن رئيس الجمهورية مطالب في ضبطه للسياسة العامة في مجالات الدفاع والخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية باستشارة رئيس الحكومة، فمن الطبيعي أن يكون إصداره لأمر رئاسي بتعيين أو إعفاء موظف في مجال الخارجية أي موظف دبلوماسي، أو موظف في مجال الدفاع أي موظف عسكري، أو موظف في مجال الأمن القومي مسبوقا باستشارته لرئيس الحكومة

80صورة الفصل

ذكرنا سابقا الفصل 80 من حيثية إحتواءه لصورة من صور تقييد تقدم البرلمان بلائحة لوم ضد الحكومة، أما في هذا السياق، فنتناوله من حيثية موضوعه الأصلي، وقد تعرض هذا الفصل بالتفصيل إلى صلاحية من صلاحيات رئيس الجمهورية والتي ذكرت سابقا بالمطة الرابعة من الفقرة الثانية من الفصل 77 وجاء فيها: “كما يتولى (رئيس الجمهورية): اتخاذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، والإعلان عنها طبق الفصل 80″، وبناءا على هذه الإحالة نصت الفقرة الأولى من الفصل 80 على ما يلي: “لرئيس الجمهورية، في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية”، إذ يتوجب على رئيس الجمهورية بمجرد توفر أسباب اتخاذ التدابير الاستثنائية وقبل اتخاذها استشارة رئيس الحكومة، إلا أن عملية الاستشارة لا تقتصر هنا على رئيس الحكومة، بل تشمل أيضا رئيس مجلس نواب الشعب وذلك بغية التعرف على رأي ممثل السلطة التشريعية، وذلك لما للتدابير من تأثير على عمل البرلمان الذي سيعد في حالة انعقاد دائمة طوال فترة العمل بالتدابير كما سيُمنع من تقديم لائحة لوم ضد الحكومة كما اقتضت الفقرة الثانية من الفصل

هكذا نكون قد فرغنا من دراسة الصور التي يتجسد فيها شكل من أشكال تقييد صلاحيات رئيس الجمهورية من طرف الحكومة، وهو الشكل المتعلق بضرورة استشارة رئيس الحكومة، بقي لنا شكلين آخرين هما الموافقة والاقتراح

موافقة رئيس الحكومة على قرار رئيس الجمهورية

ورد هذا الشكل من أشكال التقييد لصلاحيات رئيس الجمهورية في صورة واحد ذُكِرت بالمطة الرابعة من الفصل 77 من الدستور، إذ ألزم هذا النص رئيس الجمهورية بأخذ موافقة رئيس الحكومة قبل اتخاذ قرار إرسال قوات من الجيش الوطني إلى الخارج، لكن رقابة رئيس الحكومة على رئيس الجمهورية هنا تبدو جزئية كما هو الحال مع صورة إقرار التدابير الاستثنائية، فتقييد الأول لهذه الصلاحيات لهذه الصلاحيات هو جزء من تقييد أكبر،  إذ أن رئيس الجمهورية مطالب كذلك بأخذ موافقة رئيس مجلس نواب الشعب، كما أن المجلس ينعقد في أجل لا يتجاوز الستين يوما من تاريخ قرار إرسال القوات للبت فيه

إلى جانب ضرورة موافقة رئيس الحكومة على قرار رئيس الجمهورية يمكن أن يتخذ تقييد صلاحيات الأخير شكلا أكثر تأثيرا يتمثل في الاقتراح

ضرورة توفر اقتراح من رئيس الحكومة

أدرجت هذه الصورة بالمطة الأخيرة من الفصل 78 من الدستور والتي نصت على “يتولى رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية: تعيين محافظ البنك المركزي باقتراح من رئيس الحكومة، وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب، ويتم إعفاؤه بنفس الطريقة أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب ومصادقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء”، وتتجسد رقابة رئيس الحكومة على رئيس الجمهورية في ضرورة أن يكون تعيين محافظ البنك المركزي أو إعفاؤه باقتراح منه، ولا يعفي رئيس الجمهورية أو يعين متقلد هذا المنصب من تلقاء نفسه، فالعمليتين مرتبطتان بإرادة رئيس الحكومة، ودور رئيس الجمهورية يبدو شكليا

إلا وأنه وبالنسبة إلى التعيين، فإن اقتراح رئيس الحكومة ليس الشرط الوحيد، بل هو شرط يصاحبه شرط آخر وهو موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب

أما بالنسبة إلى الإعفاء، فإن اقتراح رئيس الحكومة هو خيار من بين خيارين، إذ ورد بالنص أن إعفاء محافظ البنك المركزي يكون بنفس الطريقة المتبعة لتعيينه، أي اقتراح رئيس الحكومة أولا ثم موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان ثانيا ثم إصدار رئيس الجمهورية لأمر رئاسي يتضمن تسمية الشخص الموافق عليه في المنصب، أو بطريقة أخرى هي نفس الطريقة المتبعة لسحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة، أي طلب ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب وموافقة أغلبيتهم المطلقة

إلى جانب هذا التقييد العادي، يوجد تقييد استثنائي، أي يكرّسه الدستور في حالة لا تكون فيها مؤسسات الدولة في سيرها العادي

التقييد الاستثنائي

يشمل هذا التقييد حالة واحدة هي حالة حل مجلس نواب الشعب، أي عدم وجود الهيكل الوحيد الممارس للسلطة التشريعية في الدولة، حينها يخول الدستور في فصله 70 الذين فحصناه سابقا، وبالتحديد ضمن فقرته الأولى، لرئيس الجمهورية إصدار مراسيم بشرط أن يكون هذا الإصدار بالتوافق مع رئيس الحكومة، وتختلف هذه الآلية مع تلك المضمّنة بالفقرة الثانية من نفس الفصل، فالتفويض هنا هو تفويض يفرضه الأمر الواقع ولا يتمّ بإرادة مجلس نواب الشعب الذي فقد وجوده كما أنّه تفويض لا يحدّد مدته النص بصفة صريحة، بل إنها مرتبطة بالزمن الذي سيُعاد فيه انتخاب مجلس نواب الشعب باعتبار أن المراسيم المُتَّخذة ستعرض على مصادقة المجلس الدورة العادية الأولى التي ستلي إعادة الانتخاب، وهو من جهة أخرى تفويض غير محدد الغرض إذ لا تستثني من مجال المراسيم إلا النظام الانتخابي كما اقتضت الفقرة الثالثة من نفس الفصل التي تمثل حكما مشتركا بين الفقرتين الأولى والثانية، وفي غير هذا المجال

هكذا نكون قد أتممنا التطرق إلى وسائل ضغط الحكومة على رئيس الجمهورية والتي تتجسد أساسا في تقييد رئيس الحكومة لبعض صلاحيات رئيس الجمهورية ومراقبته لممارستها، إلا أن تأثير الحكومة يمكن أن يمتد إلى الهيئة الممثلة للسلطة التشريعية، أي إلى مجلس نواب الشعب

وسائل ضغط الحكومة على مجلس نواب الشعب

ضغط مباشر وضغط غير مباشر

يمكن أن تؤثر الحكومة على مجلس نواب الشعب إما بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة، ونقصد بالتأثير المباشر الضغط الذي تمارسه الحكومة على المجلس أثناء أدائها لمهامها أي بعد تشكيلها، كما نعني بالتأثير غير المباشر التبعات التي يمكن أن تُحدِثها عملية تشكيل الحكومة على المجلس، أي كيفية ضغط الحكومة على المجلس قبل مباشرتها لمهامها

الضغط المباشر للحكومة على مجلس نواب الشعب

حينما نتحدث عن الضغط المباشر، نتحدث عن حكومة معيّنة، أي نالت ثقة مجلس نواب الشعب وسميت من قبل رئيس الجمهورية وأدت اليمين أمامه، وباشرت مهامها، وبما أن للمجلس وسائله لمراقبة الحكومة، وهذا ما ذكرناه في أ)2) فإن التوازن بين السلط يقتضي أن تكون للحكومة أيضا وسائلها للضغط على المجلس، وقد ذكر الدستور التونسي وسيلتين، هما المبادرة التشريعية وطلب رئيس الحكومة من المجلس التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها

المبادرة التشريعية

كان بإمكاننا أن نتناول المبادرة التشريعية تحت عنوان الصلاحيات الحصرية لرئيس الحكومة، إذ تبدو وكأنها صلاحية عادية، إلا أنه وبما أن مشاريع القوانين تُقدم إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليها، فإن هذه الصلاحية العادية يمكن أن تخلق علاقة بين الحكومة والبرلمان، يضغط فيها الأول على الثاني بما أن الأول هو الذي يبادر والثاني هو الذي عليه أن يرد الفعل بالموافقة أو الرفض، مما يسقط عن المبادرة التشريعية صفة الاختصاص العادي لرئيس الحكومة، ويجعلها وسيلة ضغط تستعملها الهيئة التنفيذية بطريقة أو بأخرى لفرض سياساتها على الهيئة التشريعية

وقد تطرق الفصل 62 من الدستور التونسي إلى المبادرة التشريعية التي تمارسها السلطة التنفيذية وجاء بنصه ما يلي “تمارس المبادرة التشريعية (…) بمشاريع قوانين من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، ويختص رئيس الحكومة بتقديم مشاريع قوانين الموافقة على المعاهدات ومشاريع قوانين المالية، ولمشاريع القوانين أولوية النظر”، ومن هذا النص نستشف أن المبادرة التشريعية تبرز كوسيلة ضغط سواء من حيثية ترجمتها لضرورة فرض سياسة الحكومة على البرلمان أو من حيثية تأثيرها على العمل التشريعي

المبادرة التشريعية وسيلة ضغط من حيثية فرضها لسياسة الحكومة

نصت الفقرة الثانية من الفصل 62 أن رئيس الحكومة يختص بتقديم مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات ومشاريع قوانين المالية، في حين إقتضت الفقرة الأولى منح حق المبادرة التشريعية لثلاثة جهات وهي: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللذان يقدمان مشاريع القوانين وعشرة أعضاء من مجلس نواب الشعب على الأقل يقدمون مقترحات القوانين، معنى ذلك أن المبادرة التشريعية في المجاليْن المذكورين هي لرئيس الحكومة وحده، ولا يحق لرئيس الجمهورية أو لعشرة أعضاء على الأقل من مجلس نواب الشعب أن يمارسا المبادرة فيما يتعلق بهما، وإذا نطرنا إلى طبيعة المجاليْن، لوجدناهما مرتبطيْن ارتباطا وثيقا بسياسة الحكومة، فقانون المالية هو الذي سيتيح لها الموارد المادية اللازمة لتنفيذ مشاريعها وفق الخطوط العامة التي تضبطها سياستها، لذلك فإن الحكومة وحدها مختصة بإعداده وتقديمه لكي يكون مترجما لهذه السياسات، وتمثل عملية تقديم قانون المالية وحدها ضغطا على المجلس، إذ أن إجراءات المصادقة عليه استثنائية حددها الفصل 66، فلا يجوز أن تكون المصادقة عليه في أجل يتجاوز يوم 10 ديسمبر من كل سنة بينما يقدم في أجل لا يتجاوز يوم 15 أكتوبر. أما فيما يخص مشاريع قوانين الموافقة على المعاهدات، فلئن كانت المعاهدات الدولية هي من الناحية القانونية التزامات الدولة، إلا أن ذلك لا يمنع أنها تعبير عن خيارات السلطة السياسية المنتهجة في مرحلة وسياق معيّنيْن، لذلك تختص الحكومة وحدها بإعداد مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات وتقدمها لمجلس نواب الشعب للموافقة عليها كي تدخل حيز النفاذ فيما بعد إثر المصادقة

وقد برز دور المبادرة التشريعية في فرض سياسات الحكومة بصفة جلية فيما يتعلق بمشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، فبعد الطعن في دستوريته صرحت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في قرارها المؤرخ في 8 جوان 2015 : “وحيث تحصل من مراجعة القانون الأساسي عدد 16/2015 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء المحال من رئيس الحكومة (…) إلى رئيس مجلس نواب الشعب والمشروع المتعلق بنفس القانون في صيغته المعدلة المحال من لجنة التشريع العام إلى الجلسة العامة بمجلس نواب الشعب ملاحظة الإختلاف البين في تصور المشروعين (…) ضرورة أن المشروع المحال على الجلسة العامة لم يقتصر على إدخال وإضافة إلى مشروع الحكومة التعديلات والتحويرات التي تقتضيها موجبات الصياغة أو ضرورة الملائمة الدستورية فقط بل أدخل تغييرات جوهرية نالت من كيان المقومات الأساسية القائمة عليه خيارات الحكومة في تحديد ماهية وكنه توجهاتها في إرساء المجلس الأعلى للقضاء، وحيث يبدو والحالة ما ذكر بادي الوضوح أن هذا المنحى الواقع توخيه في تعهيد الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب للنظر في مشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء لم يراع فيه وجوب المحافظة على عرض مشروع الحكومة بوصفها صاحبة المبادرة التشريعية في هذا الغرض حسب التوجه والتصور المحدد من قبلها تطبيقا لمقتضيات الفصل 62 من الدستور ولا جواز لأية جهة كانت مناهضة هذه القاعدة الدستورية التي تحظى بعلوية مطلقة وأضحى من هذا المنظور الطعن متجه القبول

وسواء تعلق الأمر بالمجالات التي يرجع فيها اختصاص تقديم مشاريع القوانين إلى الحكومة وحدها، أو بغير تلك المجالات، فإن الهيئة التنفيذية بما لها من أغلبية برلمانية مريحة متكونة من كتل أحزاب الائتلاف الحاكم، تستطيع وبكل سهولة الحصول على الأغلبية المطلوبة للمصادقة على مشاريع القوانين العادية أو الأساسية، مما يسهل لها تمرير سياساتها وتنفيذها، ويجعل دور مجلس نواب الشعب في العملية التشريعية دورا شكليا، وبذلك تتحول المبادرة التشريعية من وسيلة ضغط إلى وسيلة إخضاع للبرلمان

إلا أن الدستور التونسي قد وضع عدة ضمانات تمنع الدور التشريعي للحكومة من التضخم، وتمنعها من التحول من مبادر إلى مشرع بصفة غير مباشرة وبلا ضوابط أو حدود: أول هذه الضمانات اعتراف الدستور في فصله 60 بدور المعارضة في مجلس نواب الشعب، إذ نص على أن “المعارضة مكون أساسي في مجلس نواب الشعب، لها حقوقها التي تمكنها من النهوض بمهامها في العمل النيابي وتضمن لها تمثيلية مناسيبة وفاعلة في كل هياكل المجلس وأنشطته الداخلية والخارجية”، وثانيها تكريس الدستور لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في المطة الأولى من فصله 120: “تختص المحكمة الدستورية دون سواها بمراقبة دستورية: مشاريع القوانين بناء على طلب من (…) ثلاثين عضوا من أعضاء مجلس نواب الشعب يُرفع إليها في أجل أقصاه سيعة أيام من تاريخ مصادقة المجلس على مشروع القانون أو من تاريخ مصادقته على مشروع قانون في صيغة معدلة بعد أن تم رده من قبل رئيس الجمهورية”، وتمكن آلية طلب أعضاء مجلس نواب الشعب من المحكمة الدستورية أن تنظر في دستورية مشروع قانون، خاصة من خلال إتاحة ممارستها لعدد غير كبير من الأعضاء (ثلاثون عضوا على الأقل)، نواب المعارضة من التصدي لتغوّل الحكومة في المجال التشريعي. وقد نصت الفقرة السابعة من الفصل 148 من الدستور على إحداث هيئة وقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين إلى حين إرساء المحكمة الدستورية، وجاء بالفقرة الأخيرة من الفصل 21 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 المتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين أن “قرارات الهيئة ملزمة لجميع السلطات

وقد تم تفعيل هذه الآلية لدى هذه الهيئة الوقتية، إذ قام 31 نائبا من نواب المعارضة بتقديم عريضة طعنوا بها في دستورية مشروع قانون المالية لسنة 2016، وبناءا عليها قضت الهيئة في قرارها المؤرخ في 22 ديسمبر 2015 في القضية عدد 4 لسنة 2015: “بقبول الطعن شكلا وفي الأصل بعدم دستورية الفصول 46 و59 و60 و64 و85 وفصلها من مشروع قانون المالية لسنة 2016 وإحالتها لرئيس الجمهورية لعرضها على مجلس نواب الشعب للتداول فيها ثانية وختمه لمشروع قانون المالية فيما زاد على ذلك

وتبعا لكل ذلك يمكننا القول أن الصراع الحقيقي لا يتمحور بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بل بين الأغلبية البرلمانية التي تسيطر على السلطة وتشكل الحكومة والأقلية البرلمانية التي تمثل المعارضة، فتمتع الحكومة بستار برلماني متين متكون من النواب المنتمين لكتل الأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم يمثل مظهرا من مظاهر التضامن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والذي لا يمكن كسره إلا عبر المعارضة البرلمانية بواسطة اللجوء إلى القضاء الدستوري، وفي هذا السياق أقر العميد لويس فافورو

Louis FAVOUREAU : « la confrontation traditionnelle entre pouvoir exécutif et pouvoir législatif s’efface de plus en plus, désormais, devant celle entre majorité et opposition […] cette séparation moderne du pouvoir substitue ainsi au dualisme classique  Législatif-Exécutif, le face à face entre un bloc de « gouvernement » et un bloc d’ « opposition », la régulation du système étant assurée par le pouvoir juridictionnel et les mécanismes de contrôle de constitutionnalité »

هذا عن دور المبادرة التشريعية في فرض سياسة الحكومة على البرلمان، وفيه رأينا أن هذا الفرض غير مطلق، فهو خاضع لضوابط قد تحد منه، بقي لنا التعرض إلى دور المبادرة التشريعية في التأثير على العمل التشريعي

المبادرة التشريعية وسيلة ضغط من حيثية تأثيرها على العمل التشريعي

يقصد بالعمل التشريعي المسار الذي تستغرقه عملية تشريع القوانين في البرلمان، فالمبادرة التشريعية النابعة من السلطة التنفيذية أو من السلطة التشريعية نفسها هي أول مرحلة من مراحل هذا المسار، وفيها يودع مشروع القانون لدى مكتب مجلس نواب الشعب لتنظر فيه اللجان وتدخل عليه التعديلات اللازمة، وليعرض فيما بعد على الجلسة العامة للنقاش ثم التصويت، وليخضع في حالة المصادقة عليه إلى إمكانية الطعن أو الرد، وليُختم في حالة تجاوزه للإمكانيتين. لكن الصعوبة القانونية التي تطرحها هذه المرحلة الأولى هي إسناد المبادرة التشريعية لثلاث جهات هي كل من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وعشرة من أعضاء مجلس نواب الشعب على الأقل، ففي حالة ممارستها من قبل أكثر من جهة من هذه الجهات الثلاثة في نفس الوقت أو في نفس الموضوع، ما هو الحل الذي يمكن توخيه ؟ بعبارة أخرى كيف تتعامل هياكل مجلس نواب الشعب مع مشروع قانون (الوسيلة التي يمارس بها رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية المبادرة التشريعية) و مقترح قانون (الوسيلة التي يمارس بها أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة التشريعية) قُدّما في نفس اليوم أو حول نفس الموضوع ؟ وقد قدمت الفقرة الأخيرة من الفصل 62 من الدستور حلا فجاء بها أن لمشاريع القوانين أولوية النظر

وبصرف النظر عن المشاكل التأويلية التي تطرحها عبارة الأولوية وعبارة النظر، فإن عبارة مشاريع القوانين وردت مطلقة وبالتالي فهي تشمل المبادرة التشريعية التي يمارسها رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية، فمن من المشاريع له الأولوية داخل الأولوية ؟

فإذا تركنا هذا التساؤل ونظرنا إلى أولوية النظر من حيث تفضيلها لمشاريع القوانين المقدمة من السلطة التنفيذية برأسيها على مقترحات القوانين المقدمة من أعضاء الهيئة التشريعية نفسها، نجد أنها وسيلة هامة يمكن أن تضغط بها الحكومة على مجلس نواب الشعب من خلال مزاحمته في مهمته الأساسية ، فالحالة العادية تقتضي أن القانون تعبير عن إرادة الشعب التي يترجمها نوابه، فهؤلاء لهم الأفضلية في اقتراح القوانين والمصادقة عليها، إلا أن الحكومة في النظام السياسي التونسي لها مشروعية شعبية أهم من شرعية النواب على الصعيد السياسي، فرئيسها هو مرشح الحزب أو الائتلاف الإنتخابي المتحصل على أكبر عدد من مقاعد مجلس نواب الشعب، أي على أغلبية أصوات الناخبين المصوتين في الانتخابات التشريعية، أما نواب البرلمان فهم مزيج بين ممثلين عن الأقلية والأغلبية، ولا يمكن أن يجسدوا مشروعية واضحة

وبناءا على ذلك تكون للمبادرة التشريعية الصادرة عن الحكومة الأسبقية بما أنها ترجمة للسياسات والخيارات الحزبية التي وافقت عليها أغلبية الشعب، أما المبادرة التشريعية الصادرة عن النواب فبتمكينها لعشرة نواب على الأقل، يمكن أن يمارسها نواب لا تمثل توجهاتهم السياسية إلا نسبة قليلة من الناخبين

وقد برزت المبادرة التشريعية كوسيلة أثرت بها الحكومة على عمل البرلمان فيما يتعلق بالقانون الأساسي المتعلق بالمحكمة الدستورية، وقد روى تقرير لجنة التشريع العام حول مشروع هذا القانون أن اللجنة قد شرعت في مناقشة موضوع المحكمة الدستورية يوم الاثنين 8 جوان 2015 انطلاقا من مقترح القانون الأساسي الذي تقدم به مجموعة من النواب واختلفت الآراء وقتها بين من يرى أن يقع انتظار ورود مبادرة الحكومة حول المحكمة الدستورية والتي كانت آنذاك في طور الإعداد (…) وبين من يرى افتتاح النقاش انطلاقا من مقترح القانون المقدم من النواب الى حين ورود المبادرة مع التذكير بضغط الآجال الدستورية في خصوص احداث المحكمة الدستورية” مما يدل أن مبادرة الحكومة قد أحدثت قلقا داخل اللجنة التشريعية حتى قبل تقديمها، ويواصل التقرير سرد سير أعمال اللجنة حول هذا الموضوع: “و بعد النقاش و التداول شرعت اللجنة في نقاش مقترح القانون المقدم من النواب في جلستي يوم الاثنين 8 جوان 2015 و الخميس 11 جوان 2015 ثم استأنفت اللجنة أعمالها يوم الاثنين 31 أوت 2015  وكان قد ورد عليها مشروع الحكومة و أثير النقاش حول كيفية التعامل مع كل من مبادرة الحكومة و مقترح النواب و بأي المشروعين تعتبر اللجنة متعهدة.وتعتبر هذه المناسبة الأولى من نوعها التي تتعرض فيها هياكل مجلس نواب الشعب إلى مشكلة أولوية النظر، والأولوية هنا موضوعية، إذ رغم أن مقترح القانون قد سبق المشروع، فإن كلاهما يتعلق بنفس الموضوع وهو تنظيم المحكمة الدستورية، قد ذكر التقرير أن اختلاف الآراء حول هذه المسألة قد أنتج رأيين: رأي أول “تمسك بكون اللجنة تعتبر متعهدة بمقترح القانون المقدم من النواب و ذلك ألأسبقية تقديم النواب لمقترحهم و كذلك لعدم وجود أي تنصيص في الدستور أو النظام الداخلي على أولوية النظر بالنسبة لمشاريع الحكومة و حتى ما ورد بالفصل 62 من الدستور كان عاما دون أن يحدد أن هذه الأولوية لمشاريع القوانين تكون امام اللجنة أو في الجلسة العامة او الاثنين معا” ورأي ثان “اعتبر ان النص الدستوري واضح في هذا الصدد فالفصل 62 نص بشكل جلي على كون مشاريع القوانين لها أولوية النظر و بالنظر لكون مشاريع القوانين تقدم سواء من الحكومة او من رئيس الجمهورية فهي لها أولوية النظر سواء في اللجان التشريعية أو الجلسة العامة إذ خص النص الدستوري مشاريع القوانين دون مقترحات القوانين بأولوية النظر و حتى و إن ورد زمنيا مشروع الحكومة بعد مقترح النواب فإنه يتمتع بأولوية النظر ويقدم على مقترح النواب”، وقد أفاد التقرير فيما بعد أن اللجنة قد واصلت النظر في مقترح القانون ومشروع القانون معا وأجلت البت في المسألة إلى أن إختار النواب سحب مقترحهم وأصبحت اللجنة متعهدة بمشروع القانون المقدم من الحكومة فقط

ويبدو جليا أن القاعدة الدستورية التي أقرت بأولوية مشاريع القوانين على مقترحات القوانين لم تلزم الهيكل المتعهد بالنظر في مشاريع ومقترحات القوانين وبالبت في النزاع حول مسألة الأولوية بين الحكومة والنواب الذين قدموا مقترح القانون بقدر ما ألزمت أحد أطراف هذا النزاع، فلئن إختارت لجنة التشريع العام عدم ترجيح كفة رأي على رأي، فإن الحاجة الإستعجالية لسن قانون حول المحكمة الدستورية التي وضع الدستور لإرسائها أجلا محددا قد دفعت مجموعة النواب التي قدمت مقترح القانون إلى سحبه تاركين المجال لمشروع القانون الذي أعدته الحكومة عن طريق لجنة مختصة تحت إشراف وزارة العدل

ومن الواضح هنا أن سحب مقترح القانون كان نتيجة لضغط غير مباشر مارسته الحكومة على النواب بطرح مشروعها وعبر ما لها من ثقل نيابي داخل مجلس نواب الشعب

وعلاوة على المبادرة التشريعية التي تضغط بها الحكومة على البرلمان فتجبره بها على المصادقة على سياساتها، وتؤثر على عمل هياكله، يمكن للحكومة أن تضغط بصفة مباشرة على البرلمان من خلال طلب رئيسها منه التصويت على الثقة في مواصلة حكومته لنشاطها

طلب رئيس الحكومة من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها
وسيلة ضغط مطلقة

إن طلب رئيس الحكومة من البرلمان أن يصوت على مواصلة حكومته لنشاطها هي وسيلة ضغط أكثر حدة من المبادرة التشريعية، ففي ظرف سياسي معيّن عادة ما يكون دقيقا يضطر رئيس الحكومة إلى وضع ثقته على المحك أمام الهيئة التشريعية والنزول بكل ثقله السياسي لإعادة التماس تأييد النواب إما لوجود حكومته ككل أو لخيار من خياراتها. فبما أن ثقة البرلمان هي المصدر الأساسي الذي تستمد منه الحكومة في النظام السياسي التونسي شرعيتها، فيمكن لرئيسها العودة إليه في حالات الأزمة التي تهتز فيها هذه الشرعية، وذلك لتأكيد استمرارها في حالة تجديد الثقة أو لتأكيد اضمحلالها في حالة عدم تجديد الثقة

ويكرس الدستور التونسي في الفقرة الثانية من فصله الثامن والتسعين هذه الآلية: “يمكن لرئيس الحكومة أن يطرح على مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها”، وما يمكن ملاحظته هو أن الدستور التونسي لم يقيّد لجوء رئيس الحكومة إلى هذه الوسيلة كما قيد لجوء رئيس الجمهورية إليها، ذلك لأن رئيس الحكومة مسؤول أمام البرلمان لا أمام رئيس الجمهورية، وطلبه لتجديد الثقة في حكومته من قبل الهيئة التشريعية هو من تفريعات هذه المسؤولية، أما حينما يتأتى الطلب من رئيس الجمهورية، أي من جهة لا يعتبر رئيس الحكومة مسؤولا أمامها، فيجب أن يكون مقيدا من حيث العدد ومن حيث ضرورة مروره بالبرلمان وكذلك من حيث إمكانية انقلابه ضد رئيس الجمهورية في صورة تجديد الثقة في الحكومة

وقد تعمق الفصلان 149 و150 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب في سرد إجراءات التي يسير وفقها طلب رئيس الحكومة من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة حكومته لنشاطها، وقد نظم الفصل 149 مرحلة ما قبل جلسة التصويت، أما الفصل 150 فقد نظم جلسة التصويت

شكليات تقديم الطلب

و لا تختلف طريقة تقديم الطلب عن الحالة التي يكون فيها متأتيا من رئيس الجمهورية، وهو ما يترجمه تنظيم الفصل 149 للوسيلتين معا

فبمجرد ورود الطلب إلى رئيس مجلس نواب الشعب يدعو هذا الأخير مكتب المجلس للانعقاد في غضون يومين لتحديد موعد الجلسة العامة التي سيتم فيها التصويت، ويكون هذا الموعد في أجل “أسبوع على الأقل أو أسبوعين على الأكثر من اجتماع المكتب”، وبذلك لا يبقى من الصيغ الإجرائية السابقة لجلسة التصويت إلا واجب إعلام رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بموعد الجلسة العامة المخصصة للتصويت وبموضوعها من قبل رئيس مجلس نواب الشعب

تنظيم جلسة التصويت

ذكر الفصل 150 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب أنه يدعى لجلسة التصويت رئيس الحكومة وكامل أعضائها، ويفتتح رئيس المجلس الجلسة بعرض موجز موضوعها وبتذكير بمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 98 من الدستور التي سبقت معنا، ثم يحيل الكلمة إلى رئيس الحكومة لعرض طلبه مفصلا ومعللا

وتتركز قوة الضغط التي تمنحها هذه الوسيلة للحكومة في كلمة رئيسها أثناء جلسة التصويت، فبتمكينه من شرح طلبه وذكر أسبابه، بإمكان رئيس الحكومة التأثير على النواب ودفعهم إلى التصويت مع منح الثقة لمواصلة حكومته لنشاطها، مما يشكل نوعا من الضغط الأدبي المباشر عليهم

ولا يتيح الفصل 150 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب لرئيس الحكومة شرح طلبه فقط، بل يخول له أيضا التفاعل مع تدخلات النواب التي تتلو كلمته الأولى، مما يوفر له فرصة أخرى لرد شكوك النواب وتوضيح الالتباسات التي يمكن أن تثار حول كلمته

وبممارسة رئيس الحكومة لحقه في الرد تنتهي المداولات وتُرفع الجلسة لتُستأنف في نفس اليوم للتصويت، وبالمرور إلى التصويت يكون النقاش مطروحا حول فرضياته الممكنة، ولا يمكن هنا الحديث إلا عن فرضيتين: فرضية تجديد الثقة في الحكومة وفرضية عدم تجديدها

فرضية تجديد الثقة في الحكومة

اكتفى الدستور في الفقرة الثانية من الفصل 98 بتحديد شرط تجديد الثقة في الحكومة، أي الأغلبية المطلوبة التي يبدي بها مجلس نواب الشعب ثقته في مواصلة الحكومة، وهذه الأغلبية هي الأغلبية المطلقة للأعضاء كما أكدت الفقرة الأخيرة من الفصل 150 من النظام الداخلي للمجلس، وقد سكت الدستور عن الأثر أو الآثار المترتبة على هذه الفرضية، ذلك لأنها بديهية تتمثل في مواصلة الحكومة لعملها، هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية السياسية فتولد الحكومة من جديد، وتواصل مهامها في موقف أقوى مما كانت عليه قبل طرح رئيسها للتصويت على تجديد الثقة فيها، وهذا هو التوقيت المناسب لها لفرض سياساتها على البرلمان وتمرير القوانين التي تساعدها على تنفيذ هذه السياسات

إلا أن ما يبعث على الحيرة هو أن الدستور لم يرتب على تجديد الثقة في الحكومة بعد استعمال وسيلة طرح الثقة من قبل رئيسها أي أثر قانوني مغاير للأثر البديهي الذي ذكرناه، خلافا للائحة اللوم ولطلب رئيس الجمهورية من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها

فكما سبق لنا الذكر، فإن عدم تحقق الأغلبية المطلقة أثناء التصويت على لائحة لوم ضد الحكومة ينجر عنه تقييد التقدم بنفس اللائحة ضدها لمدة ستة أشهر لاحقة كما اقتضى ذلك الفصل 97 من الدستور، كما أن عدم تحقق نفس الأغلبية أثناء التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها بناء على طلب يتقدم به رئيس الجمهورية للمرة الثانية خلال مدته الرئاسية يعجل باستقالته، وفي الحالتين، يجدد مجلس نواب الشعب الثقة في الحكومة بعد وضعها على المحك، وهو ما يتطابق مع الحالة التي نحن بصدد دراستها

فإذا كانت نية السلطة التأسيسية تحصين الحكومة دستوريا بعد تجاوزها لأزمة سياسية مع البرلمان بنجاح، فلماذا لا نجد هذه النية مجسدة في فرضية تتحقق فيها هذه الشروط ؟

وعلى عكس لائحة اللوم وطلب التصويت على الثقة المقدم من رئيس الجمهورية، فإن عدم تحقق الأغلبية المطلوبة في حالتنا يعني عدم تجديد الثقة في الحكومة

فرضية عدم تجديد الثقة في الحكومة

يعني عدم الحصول على أصوات الأغلبية المطلقة لنواب مجلس نواب الشعب امتناع البرلمان عن تجديد الثقة في الحكومة، وبما أن ثقة البرلمان هي الأساس الذي تقوم الحكومة عليه وتستمد منه شرعيتها، فإن زوال الأساس يعني زوال ما بني عليه، وبالتالي فمن المنطقي أن تعتبر الحكومة مستقيلة، وهو ما أكدته الفقرة الثانية من الفصل 98 من الدستور فإن لم يجدّد المجلس الثقة في الحكومة اعتبرت مستقيلة

وقد وضعت الفقرة الأخيرة من نفس الفصل حكما آخر لفرض عدم تجديد الثقة في الحكومة، وهو أن رئيس الجمهورية يتدخل لتكليف الشخصية الأقدر بتكوين حكومة جديدة “طبق مقتضيات الفصل 89

ويثير هذا الحكم مشكلين: أول يتعلق بإسناد مهمة اقتراح مرشح جديد لرئاسة الحكومة لرئيس الجمهورية والتي لا يوجد لها مبرر منطقي، إذ بما أن إرادة السلطة التأسيسية الأصلية قد ألزمت كل جهة تضع ثقة الحكومة موضع شك باقتراح بديل لرئيسها كما هو مجسد في النظام القانوني للائحة اللوم، إذ ألزم الفصل 97 من الدستور تقديم مرشح بديل لرئاسة الحكومة يصادق على ترشيحه في نفس اليوم الذي تسحب فيه الثقة، وكذلك في طلب رئيس الجمهورية من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، إذ في حالة عدم تجديد الثقة يتولى رئيس الجمهورية تكليف الشخصية الأقدر بتكوين حكومة

فلماذا تسند للأخير سلطة تقديرية في اختيار مرشح لرئاسة الحكومة والحال أن البرلمان لم يجدد الثقة في الحكومة القديمة بناءا على طلب من رئيسها ودون أي إيعاز من رئيس الجمهورية ؟

أما المشكل الثاني فيتعلق بعبارة “طبق مقتضيات الفصل 89″، إذ أننا نعلم أن الدستور قد وضع نفس الحل لفرض عدم تجديد الثقة في الحكومة سواء كان طلب التصويت متأتيا من رئيس الحكومة أو من رئيس الجمهورية، ويتمثل الحل كما ذكرنا في تكليف رئيس الجمهورية للشخصية الأقدر بتشكيل حكومة جديدة، إلا أن صيغة الفصل 99 المتعلق بالطلب المتأتي من رئيس الجمهورية تختلف عن صيغة الفصل 98 الذي نحن بصدد دراسته، فقد جاء في الفصل الأول أن رئيس الجمهورية يقوم بتكليف شخصية جديدة لتكوين حكومة في أجل 30 يوما طبق الفقرات الأولى والخامسة والسادسة من الفصل 89، أما في الفصل الثاني فقد وردت الإحالة إلى الفصل 89 مطلقة وبدون قيد

معنى ذلك أن التكليف وتكوين الحكومة يخضع في صورة الفصل 99 إلى مقتضيات فقرات محددة حصرا من الفصل 89، بينما يخضع في صورة الفصل 98 إلى مقتضيات الفصل بأكمله

وإذا عدنا إلى الفقرات المذكورة في الفصل 99 نجد أنها لا تتعلق بكيفية التكليف أو بآجال التكوين وما يترتب عن مخالفتها، بل تتعلق فقط بكيفية اختيار أعضاء الحكومة ونيل ثقة مجلس نواب الشعب وآداء اليمين أمام رئيس الجمهورية، ذلك لأن الفصل المذكور قد ضبط كيفية التكليف ومنح فيها السلطة التقديرية لرئيس الجمهورية وضبط آجل التشكيل وهو 30 يوما وضبط كذلك ما يترتب عن مخالفة الأجل، أما الفصل 98 فلم يضبط أحكام أي من المجالات المذكورة، لذلك أحال إلى الفصل 89 بصفة مطلقة

وبالرجوع إلى أحكام الفصل 89 يظهر لنا أن إطلاق عبارة الفصل 98 قابل للتقييد، فلا يمكن لأحكام الفصل الأول أن تنطبق جميعها، لأن بعضها يتعلق بوضع سياسي ودستوري خاص لا يجري على ذلك الذي يفرزه عدم تجديد الثقة في الحكومة بعد طرح الثقة من قبل رئيسها، ونعني بذلك جزءا مما اقتضته الفقرة الثانية من الفصل المذكور، ففي هذه الفقرة نوعين من الأحكام: أحكام حول كيفية تكليف رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة وجاء فيها أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي الفائز بأكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب في أجل اسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، وأحكام حول الآجال المتاحة لرئيس الحكومة المكلف لتكوين حكومته. وقد حدد الفصل 98 النوع الأول دون النوع الثاني من الاحكام أي تلك الخاصة بكيفية التكليف، وإذا سلمنا بأن الفصل 89 نص عام يُعنى بتشكيل الحكومة والفصل 98 نص خاص طرح مسألة تشكيل حكومة جديدة في حالة سحب الثقة من حكومة قديمة على إثر طلب تصويت على الثقة مقدم من رئيسها، وطبقا للقاعدة القانونية العامة القائلة بأن “الخاص يقيد العام في مجاله”، نستنتج بأن الفصل 89 ينطبق في أحكام فقرته الثانية المعنية بآجال تكوين الحكومة في التكليف الأول وبأحكام بقية فقراته المعنية بمجالات لم ينظمها الفصل 98، أما هذا الأخير فلا ينطبق إلا في حدود المجال الذي وضع له حكما وهو كيفية التكليف

وبصرف النظر عن هذه المعطيات النظرية فإن وسيلة الضغط هذه تتميز عن بقية الوسائل بأنه قد وقع اللجوء إليها فعلا، وقد إتسم تطبيقها بظرف سياسي خاص يبدو من الضروري التوقف عنده

التطبيق السياسي للفصل 98، تطبيق خاص

جرت العادة في بعض الأنظمة السياسية المقارنة التي تعتمد وسيلة الضغط المتمثلة في طرح رئيس الحكومة ثقة حكومته على البرلمان، أن الالتجاء إلى هذه الخطوة يكون في ظرف سياسي ملائم للهيئة التنفيذية سعيا منها لاستغلاله بهدف الحصول على أوسع نسبة من الثقة البرلمانية لتمرير وتنفيذ خيار سياسي معين، ويكون اللجوء من أجل مشروع قانون هام يربط رئيس الحكومة المصادقة عليه من عدمها بوجود حكومته من عدمه، ومن البديهي أن لا يُعتمد هذا الخيار التصعيدي حين تفقد الحكومة ستارها السياسي الحزبي أو في آخر مدة ولايتها

إلا أن الممارسة السياسية في تونس قد خرقت هذه البديهيات، وكما سبق لنا الذكر في أ) 1) فإن رئيس الجمهورية الحالي الباجي قايد السبسي قد أعلن في حديث تلفزي يوم 2 جويلية 2016 عن مقترحه بتشكيل حكومة وحدة وطنية نظرا للوضع الاقتصادي المتأزم الذي بلغته تونس، وبدا الأمر وكأنه مجرد مبادرة سياسية، وبتسارع الأحداث تحول إلى ضغط على الحكومة وعلى رئيسها الحبيب الصيد لدفعها إلى الاستقالة

فبسرعة البرق وبمعزل تام عن الحكومة التي أكد رئيسها عدم علمه بما صدر عن رئيس الجمهورية، جمع رئيس الدولة في قصر قرطاج ممثلين عن أحزاب سياسية كان من أبرزها الأحزاب الأربعة المكونة للائتلاف الحاكم الذي شكل حكومة الحبيب الصيد وهم حركة نداء تونس وحركة النهضة وحزب آفاق تونس وحزب الإتحاد الوطني الحر إلى جانب أحزاب “معارضة” أحرى ليس لها أي وزن برلماني، وممثلينعن منظمات إجتماعية كالإتحاد العام التونسي للشغل والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، وبعد اجتماعات متتالية حملت إسم “الحوار الوطني” نُظّم موكب رسمي بقصر قرطاج لتوقيع “اتفاق قرطاج” وهو عبارة عن وثيقة عُدّدت ضمنها أولويات حكومة الوحدة الوطنية

وبهذا التوقيع بدت حكومة الحبيب الصيد لدى الأطراف الموقعة وكأنها غير موجودة، وأكد الموقعون أنهم قد مروا إلى مرحلة ما بعد هذه الحكومة

وبعض النظر عن ذلك، فإن من يتمعّن في محتوى الوثيقة يدرك أنها ليست مجرد أولويات بل هي برنامج عمل حُدّد لحكومة لم توجد بعد

أما المتمعّن في الأطراف الموقعة فلا يستدعي الأمر منه ذكاءا مفرطا ليدرك أن عملية التوقيع كانت بمثابة عملية سحب ثقة مقنعة خاصة إذا لمح التوقيعات الأربعة للممثلين الأربعة عن الأحزاب التي منح نوابها الثقة لحكومة الحبيب الصيد، ومن يقع بصره على توقيع مستشار رئاسة الجمهورية في آخر الوثيقة يقر بأن الإتفاق تجاوز سحب الثقة المقنع ليمزج بينه وبين الإقالة المقنعة لرئيس الحكومة ويقترب من عملية الخلع

فكأن رئيس الجمهورية قد استعمل فعلا آلية التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها المخولة له بالفصل 99 من الدستور، ولكن دون أن يغادر قصره متجها إلى قصر باردو لحضور جلسة التصويت، بل تكلف ساكنو باردو  عناء الذهاب إليه واتخاذ القرار في حضرته

وأمام هذا الموقف الذي وضعه في التسلل، وأمام انفضاض الأغلبية البرلمانية سياسيا من حوله، بات اضمحلال حكومة الحبيب الصيد مسألة وقت لا أكثر، لكن السؤال بات يتمحور حول الصيغة التي سيختارها رئيس الحكومة “المخلوع” للتخلي، وأمام الصيغتين التان أتاحهما الفصل 98 أي الاستقالة المقدمة كتابيا إلى رئيس الجمهورية وطرح الثقة على مجلس نواب الشعب، خير الحبيب الصيد انتهاج الثانية بدل الأولى الذي حاول صانعو “إتفاق قرطاج” دفعه نحوها، وقدم يوم 20 جويلية 2016 وبعد أسبوع من توقيع اتفاق قرطاج طلبا كتابيا إلى مجلس نواب الشعب داعيا إياه إلى عقد جلسة عامة للتصويت على الثقة في مواصلة حكومته لنشاطها

ويعتبر إلتجاء رئيس الحكومة إلى آلية طرح الثقة في وقت غير ملائم له سياسيا، بل في وقت يعلم فيه أن أحزاب الائتلاف التي منحته كتلها البرلمانية الثقة قد تخلت عنه، وباتت تعتبره رئيس “حكومة تصريف أعمال”، أمرا فريدا من نوعه، ينبئ بتحول هذه الآلية من وسيلة تسعى بها الحكومة إلى كسب مزيد من التأييد البرلماني لتنفيذ سياسياتها، إلى وسيلة يبحث بها رئيس الحكومة عن مخرج يحفظ له ولحكومته ماء الوجه بعد عزلها من الناحية السياسية

وبإستثناء هذه الوسيلة التي وجدت طريقها إلى التطبيق، تبقى الوسائل الأخرى مسجونة إلى حد الآن في ورق الوثيقة الدستورية، ومن بينها نجد وسائل الضغط غير المباشر، وهو كما أشرنا، الضغط الذي تمارسه الحكومة على مجلس نواب الشعب وهي لا تزال في طور التشكل

الضغط غير المباشر للحكومة على مجلس نواب الشعب

إن هذا الضغط لا تمارسه في الحقيقة الحكومة، بل هو عبارة عن إستتباعات لعملية تشكيلها، لكنه رغم ذلك أكثر أهمية من الضغط المباشر، فقد تكون نتيجة هذا الضغط حل مجلس نواب الشعب من قبل رئيس الجمهورية، فلئن لم يعطي الدستور لرئيس الحكومة حق حل البرلمان كما هو معمول به في بعض الأنظمة البرلمانية، قد يمارس رئيس الجمهورية هذا الحق وفق ما إقتضته المطة الأولى من الفقرة الثانية من الفصل 77: “كما يتولى (رئيس الجمهورية) حل مجلس نواب الشعب في الحالات التي ينص عليها الدستور” في حالة عامة هي حالة فشل مسار تعيين الحكومة الذي فصلنا فيه في I)أ)2) تنقسم إلى حالتين خاصتين أشار إليهما الفصل 77 و أوردهما الدستور في الفصلين 89 و99

89صورة الفصل

إهتم هذا الفصل كما تقدمنا بمسار تعيين الحكومة بعد الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، وقد ذكرنا أن المؤسس الدستوري قد حاول وضع أحكام لكل الفروض الواقعية الممكنة في هذا الفصل الحساس الذي يتعلق موضوعه بنقل السلطة، وخاصة لحالات الأزمة السياسية، ونميز هنا بين حالتين

الحالة الأولى التي تتمثل في عدم التوصل لتعيين حكومة في الأجل الذي حدده الفصل بشهر قابل للتجديد مرة واحدة من تاريخ تكليف رئيس الجمهورية لمرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، وقد فصّل النص في ذكر الفرضيات التي يتعذر فيها التوصل إلى حكومة معينة، وهي عدم التمكن الشخصية المكلفة من تكوين حكومة، وعدم نيل الحكومة المكونة لثقة مجلس نواب الشعب، هنا يتدخل رئيس الجمهورية بصفته منتخبا من الشعب لحل الأزمة وإجراء مشاوراته لاختيار شخصية أخرى لتكوين حكومة أخرى، إذ يقصتر دوره هنا على الوساطة بين الأحزاب البرلمانية التي تُمنح لها فرصة ثانية للتوافق حول رئيس حكومة يحظى بثقتها السياسية قبل منح حكومته الثقة البرلمانية، كل ذلك يحصل في وجود البرلمان الذي مازال يمثل في هذه الأزمة وسيلة للحل

أما الحالة الثانية فهي حالة أزمة أكثر حدة من الأزمة الأولى، تمر فيها أربعة أشهر على التكليف الأول، ويقصد به تكليف رئيس الجمهورية لمرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي الأغلبي، دون نيل أي حكومة من الحكومات المشكلة سواء في التكليف الأول أو التكليف الثاني لثقة مجلس نواب الشعب، هنا يصبح البرلمان أصل المشكل، فهو الذي فشل في تحقيق أول مهمة إنتخبه الشعب من أجلها، وهي إرساء حكومة تعبر عن إرادته، وهو الذي سبب حالة الفراغ السياسي التي استمرت أربعة أشهر، حينما لم تتمكن كتله النيابية من إفراز حكومة تحضى بثقة الأغلبية المطلقة من أعضائه، مما يستوجب حلّه والرجوع إلى صاحب السيادة الأصلي لانتخاب بديل، ووفق المبدأ القانوني العام القائل بتوازي الصيغ والأشكال فإن الجهة التي تتولى حل برلمان ينتخب أعضائه “انتخابا عاما، حرا، مباشرا، سريا، نزيها، وشفافا” كما جاء في الفصل 55 من الدستور، هي جهة منتخبة بنفس الطريقة، ولا توجد هذه المواصفات إلا في رئيس الجمهورية، ولذلك أسندت له الفقرة الرابعة من الفصل 89 حق الحل وقد جاء فيها: “إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما

وبذلك تنعكس عملية تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية على مجلس نواب الشعب، ليتسبب فشلها في سحب الثقة الشعبية منه والاحتكام إلى الشعب صاحب السيادة لانتخاب أعضاء جدد له، ولا بد هنا من الإشارة إلى إحالة الفصل 98 على الفصل 89 في فقرته الثالثة التي قدمت حلا لفرضي استقالة رئيس الحكومة التي تعتبر استقالة لكامل الحكومة وعدم تجديد الثقة في الحكومة إثر تقديم رئيسها لطلب التصويت على الثقة في مواصلتها لنشاطها، وكما تقدمنا فإن الفصل 89 ينطبق هنا بجميع أحكامه باستثناء تلك المتعلقة بكيفية التكليف، مما يفتح الباب أمام إمكانية حل مجلس نواب الشعب في الحالة المذكورة أعلاه

إلا أن حل البرلمان كنتيجة للفشل في تشكيل الحكومة لا يتحقق فقط في هذه الحالة، بل توجد حالة أخرى يكرسها الفصل 99

99صورة الفصل

يُعنى هذا الفصل بالنظام القانوني لآلية طلب رئيس الجمهورية من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، وسنهتم هنا بالجزء المخصص لآثار عدم تجديد الثقة في الحكومة إثر هذا الطلب واستقالتها تبعا لذلك، وقد مُنحت السلطة التقديرية في اختيار شخصية أخرى لتكوين حكومة جديدة لرئيس الجمهورية بإعتباره صاحب المبادرة التي أدت لاستقالة الحكومة القديمة، ونجد في هذا الفصل أيضا إحالة إلى الفصل 89 ولكنها تختلف عن نظيرتها في الفصل 98، إذ لم يشر الفصل 99 إلا إلى الفقرات الأولى والخامسة والسادسة والتي تتعلق أحكامها بكيفية اختيار الوزراء، ونيل ثقة مجلس نواب الشعب وآداء اليمين أمام رئيس الجمهورية، أما بقية المسائل المتعلقة بأجل تكوين الحكومة والآثار المترتبة عن تجاوز الأجل المحدد دون التعيين أي التشكيل ونيل الثقة، فقد نظمها لها الفصل 99 أحكاما خاصة أكثر صرامة من أحكام النص العام

ففيما يخص أجل تكوين حكومة جديدة، ضرب الفصل 99 أجلا أقصاه ثلاثون يوما فقط ولم يتح الفرصة لتجديده

أم فيما يخص الآثار المترتبة عن تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة أو نيلها لثقة مجلس نواب الشعب، فلم يمكن الفصل رئيس الجمهورية من أجراء مشاورات مع الأحزاب لإعطائها فرصة أخرى للوصول إلى صيغة توافقية حول الحكومة، بل منحه حق مجلس نواب الشعب مباشرة بعد تجاوز أجل الثلاثين يوما

فإذا كان عدم تجديد الثقة في الحكومة بناءا على طلب متأتي من رئيسها أو من رئيس الجمهورية يؤديان إلى نفس الوضع دستوريا، فلماذا تتخذ في الوضعية الثانية أحكام أكثر صرامة من الوضعية الثانية ؟

وأثناء مناقشة الفصل 99 في مداولات المجلس الوطني التأسيسي أشار المقرر العام للدستور إلى هذا الاختلاف ولكن دون أن يشرح المغزى منه قائلا: “فيما يخص الإجراءات المتعلقة بالآجال والدعوة إلى الانتخابات فقد تمت الإحالة إلى فقرات محددة من الفصل 88 (الفصل 89 قبل تغيير رقمه) لأننا قد غيرنا الآجال، فالأجل في الفصل 88 أربعة أشهر، وفي هذه الحالة جعلناه ثلاثين يوما، لذلك ليس هناك إحالة مجملة للفصل 88

وحول إتاحة الإمكانية ثانية لرئيس الجمهورية لحل مجلس نواب الشعب تدخل النائب والعميد السابق الفاضل موسى: “نذكر بأنه في الوثيقة الأولى لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يحل المجلس إلا مرة واحدة في البداية، يعني ذلك انه إذا لم يمارس حق الحل بعد فشل تكوين الحكومة الأولى والحكومة الثانية، لا يمكن له بعد ذلك إلى غاية إنتهاء الخمس سنوات حل المجلس النيابي، مما يجعل النظام وكأنه نظام مجلسي، ما معنى النظام المجلسي ؟ يعني أن المجلس يصبح سيد نفسه بأتم معنى الكلمة ولا يمكن لأحد حله، وقد أتت هذه الفرضية لإعطاء إمكانية ثانية لرئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من طرف الشعب أن يتدخل في غير الحالة الأولى، كحالة تسلط البرلمان، وبالتالي فإن مرد هذا النص هو أن يكون المجلس مدركا عدم حيازته للسيادة المطلقة ليفعل ما يشاء وأن هناك احتمال في حالة دخوله في اضطراب مع الحكومة أن يقع حله بهته الطريقة

وهكذا يكون فشل تشكيل الحكومة مرة أخرى مبررا لفشل البرلمان يعجل بحله واللجوء للشعب لتعويضه

 أكرم ريدان طالب بالسنة الثانية من الإجازة الأساسية في القانون العام بكلية العلوم القانونية و السياسية و الإجتماعية بتونس و ناطق رسمي باسم جمعية “تيميس” للحقوقيين الشبان

Advertisements