ملتقيات و ندوات و نقاشات عديدة أسالت الكثير من الحبر و شغلت المختصين و غير المختصين في ذكرى “ولادة الدستور” . ولادة عسيرة كما تذكرون انتظرناها طويلا و استبشرنا خيرا بهذا المولود الجديد الذي خلنا في ذلك الوقت على الأقل أنه “طوق النجاة” الذي سيضمن إرساء الدولة الديمقراطية الحديثة و يخلصنا من كل مظاهر القمع و الإستبداد

اليوم ، و بعد مرور 3 سنوات على المصادقة على هذا الدستور أسئلة كثيرة تطرح و لغط كبير يثار

 هل من مبرر للدعوات المتتالية المنادية بتعديل الدستور ؟ هل فشل مؤسس 2014 في إرساء نظام سياسي ملائم للواقع التونسي ؟  وهل يمكن فعلا تقييم هذا النظام بعد 3 سنوات فقط من البدء في العمل به ؟ ألا تعد هذه المدة وجيزة و غير كافية  للجزم بمدى فاعلية النظام القائم من عدمها ؟ من جهة أخرى ألا يعد النظام القائم اليوم مخالفا للتصور الوارد في الدستور ؟ ألا تمثل الممارسة السياسية اليوم تعديا صارخا على مبدأ الفصل بين السلط و تشويها للنظام المقر صلب الدستور ؟

هل أن الإشكال يكمن في النص الدستوري أم في الفاعلين السياسيين ؟

أسئلة عديدة طرحتها على عدد من أساتذة القانون الدستوري و الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية لعلي أجد جوابا شافيا على الأقل من الجانب القانوني . لكن الأمر كان أكثر تعقيدا مما توقعت

” لم يكن مسار صياغة الدستور الجديد بالأمر الهين” محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب

و هو واقع عايشه الشعب التونسي بكل أطيافه و كان شاهدا على ما سمي في تلك الفترة ب”الولادة العسيرة للدستور” . لكن يجدر التذكير أن هذا النص التوافقي تمت المصادقة عليه بأغلبية ساحقة أي ما يقارب 95% من نواب المجلس الوطني التأسيسي، وذلك في جلسة عامة  عقدت يوم 27 جانفي 2014 بحضور رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس الحكومة

هذه “النزعة التوافقية” لم تخل من العيوب . فهو في الحقيقة توافق “ظاهري ” لا يعكس تقاربا في الآراء و المواقف المختلف في شأنها و إنما يؤجل الجدل دون أن يجد الحلول المناسبة

“التوافق الذي عادة ما يكون محبذا جعلنا أمام دستور يجد فيه كل طرف ضالته ، دستور أقر فيه كل طرف ما أراده  . وهو الثمن الذي كان يجب دفعه لبلوغ التوافق.” خالد الماجري

و في الحقيقة ،فإن هذا التوافق “المغلوط ” إن صح التعبير يطرح إشكاليات عديدة في تأويل النص الدستوري نظرا لغياب التجانس و التناسق في رؤية مؤسس 2014 . وهو ما أدى إلى بروز صعوبات مختلفة في تطبيق الدستور بمختلف محاوره .  ظهرت على إثرها دعوات عديدة تنادي بضرورة تعديله

” النظام السياسي الحالي يجب أن يراجع قبل أن يتسبب في أزمات سياسية حادة” رافع بن عاشور

بالعودة إلى تاريخ كتابة الدستور و الظروف المصاحبة لوضع النظام السياسي للبلاد ، نتبين أن رغبة المؤسس كانت متجهة إلى وضع نظام برلماني و القطع تماما مع النظام الرئاسي  أو “الرئاسوي ” الذي كان سائدا إلى  قبل ثورة 17ديسمبر /14 جانقي كنتيجة لذلك تم  تبني” نظام هجين لا يمكن وصفه بالنظام البرلماني و لا يمكن وصفه قي ذات الوقت بالنظام الرئاسي . فهو لا يضمن رقابة فعالة  لكل سلطة على السلطة الأخرى .  لذلك يجب أن يراجع قبل أن يتسبب في أزمات سياسية حادة . و في سؤال طرحناه عليه حول النظام السياسي الذي يراه أكثر تلاؤما مع الواقع التونسي أجاب بأن النظام الرئاسي الحق الذي يكفل التوازن بين السلط أفضل من النظام البرلماني .لأن هذا الأخير قائم على أحزاب مهيكلة و معروفة و لها تاريخ . بينما نحن في تونس أحزابنا السياسية هشة و كلها تتبخر و يتفرع عنها أحزاب و حزيبات . و أضاف بأن الدستور ليس نصا مقدسا و إمكانية تغييره دائما واردة  و هو يتضمن الآليات الكفيلة بذلك متى توفرت الأغلبية اللازمة

النسق التشريعي البطيء عطل تطبيق الدستور ” رافع بن عاشور

و الأمثلة في هذا المجال عديدة حيث نجد عددا من الهيئات الدستورية التي مازالت خاضعة إلى حد اليوم لنصوص سابقة للدستور بل و يعود بعضها إلى النظام السابق

لا بد إذن من إصدار قوانين جديدة تنظم عمل هذه الهيئات وفق ما يقتضيه نص الدستور

و بسؤال النائبة “هاجر بن الشيخ أحمد” عن سبب تباطؤ النسق التشريعي أجابت

” غياب التوافق حول بعض المسائل الخلافية يعطل عمل المجلس”هاجر بن الشيخ أحمد

النسق بطيء لأسباب عديدة فلا يمكن أن ننكر وجود تفاوت في الخلفية القانونية للنواب .   نسبة الالتزام و الجدية تختلف كذلك من نائب إلى آخر.ترد علينا كذلك  قوانين استعجالية تغير الجدول المتبع و تتسبب في تأخير بعض الأعمال

لا يجب ان ننسى أن النائب هو في نفس الوقت عضو في المجالس الجهوية  و المحلية و اللجان القارة القطاعية و هو يبذل جهدا كبيرا ليتم كل هذه المهام  . أنا مثلا أشتغل 14 ساعة يوميا و لا يسعني أن أقوم بأكثر من ذلك

لكن المشكل الأكبر يبقى غياب التوافق حول بعض المسائل الخلافية التي تضعنا أمام طريق مسدودة

في نفس الإطار يضيف رئيس مجلس نواب الشعب

 “الممارسة البرلمانية في هاتين السنتين تسمح لنا اليوم بان نبرز بعض الصعوبات في تطبيق الدستور” محمد الناصر


 من ذلك بعض الغموض الذي يكتنف العديد من مقتضياته مما يؤكد الحاجة الملحة لإرساء محكمة دستورية لتأويل أحكامه وارساء فقه قضائي دستوري مستقر. و هو ما يحيلنا إلى مسألة على غاية من الأهمية فالمحكمة الدستورية رغم المصادقة على القانون المنظم لها منذ سنة 2015 إلا أنها مازالت معطلة بسبب الصراعات القائمة بالمجلس الأعلى للقضاء

 

“المسؤولية المناطة بعهدة مجلس نواب الشعب دقيقة وجسيمة” محمد الناصر

بالرغم من مرور ثلاث سنوات على صدور هذا الدستور فإن بعض أحكامه لم تدخل حيز التنفيذ وهو ما يشكل عرقلة لاستكمال ارساء كل المؤسسات والهيئات الدستورية التي نص عليها الدستور من ذلك إرساء السلطة المحلية والمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية. وهو ما يؤكد أن “المسؤولية المناطة بعهدة مجلس نواب الشعب دقيقة وجسيمة” بالنظر إلى إستكمال إرساء المؤسسات والهيئات الدستورية

كلمة للطلبة

“أنتم مستقبل تونس قأقبلوا على الدراسة و أقبلوا على العمل الجاد لأنه لا نتيجة بدون دراسة و بدون عمل جاد”. رافع بن عاشور

“لا تبتعدوا عن كليتكم فهنا تقضون أجمل أيام حياتكم.” هاجر بن شيخ أحمد

 

Advertisements