الشهادة كدليل على الرقي الإجتماعي

تختلف معايير تحديد الفشل و النجاح و قد تلتقي جُلّها حول مستوى التّكوين الأكاديمي للفرد كصكٍّ لِولوجِ جنّة رضا العائلة و اِعجاب الأصدقاء و الإنتشاء بالإطراء من هنا و هناك

و لنا أن نسأل أنفسنا هل أنّ ما يُكسب الإنسان قيمته هو مجموع الشهائد الّتي تزيّن حائط الغُرفة أم ما يزيّن كيانه من تجارب و مشاعر إنسانيّة و أحلام؟ ألا يزال الحُلم جائزًا زمنًا صار فيه الإنساني عُملةً نادرة؟ أشباب اليوم ضحيّة السّياسات المتعاقبة على بلادنا؟ أليست نِسب البطالة المرتفعة دليلاً على انكِسار طموحات هذا الشّباب؟ ألا تُعتَبر نسبة الخرّيجين الّذين التحقوا بصفوف الإرهابيّين دليلًا على نظام تعليميٍّ عاجزٍ عن أن يُثمر  عقولًا قادرةً على اُستكمال مسار التّقدُّم و الإرتقاء بهذا البلد؟

تقودنا هذه الأسئلة إلى طرح دور الجامعات في بلدٍ أُزيل السِّتار عن كُلِّ ما يحمله شعبه من تناقضات و كُلِّ ما يعيش شبابه من معاناة

نظام هجين

أصبحت تونس منذ اُندلاع الأحداث في سوريا أكبر مصدّرٍ للإرهابيّين. و قد نجد بعض من يُرجِعُ هذه الظاهرة إلى اُنتشار الفقر و التّهميش اللذان يجعلان ممّن يعانيهما صيدًا سريعًا لأصحاب الخطاب الدّيماغوجي. يكاد يكون هذا الموقف مُقنِعًا لولا اُلتحاق الأطبّاء و المهندسين و الطيّارين بصفوف التّنظيم الإرهابي لندرك بذلك أنّ العامل المحدِّد ليس فقط فقر الجيوب اِنّما هو فقر العقول. و فقر العقول من اِستصغار قيمة ا

كان التّخصّص هدفًا من أهداف اِرساء نظام “أمد” للتّعليم العالي و ها أنّ نتيجته طلبة يفتقرون إلى أبجديّات تخصصّهم عاجزين عن خوض حوارٍ في مجال غيرهِ

  ورد في الفصل الثالث من العنوان الأوّل أحكام عامّة من الأمر عدد ٣١٢٣ لسنة ٢٠٠٨ المؤرّخ في ٢٢ سبتمبر ٢٠٠٨ المتعلّق بضبط إلإطار العام لنظام الدّراسة و شروط التّحصيل على الشّهادة الوطنيّة للإجازة في مختلف مجالات الّتكوين و المواد و المسالك و التّخصّصات في نظام أمد

: ـ يرمي نظام “أمد” أساسا إلى بلوغ الأهداف التالية

ـ تحقيق درجة عليا من الوضوح في مستويات التخرج بالنسبة إلى جميع الأطراف المعنية بالتعليم العالي والمحافظة على الطابع الوطني للشهادات

ـ إرساء نظام تكوين مرن وقابل للمقارنة مع الأنظمة المتداولة دوليا

ـ مراجعة البرامج وتنويع المسالك خاصة في المجالات الواعدة

ـ إرساء مسالك تكوينية مرنة وناجعة ذات صبغة أكاديمية وتطبيقية توفر للطالب إمكانية الاندماج في سوق الشغل

ـ تيسير حركية الطلبة بالداخل وبالخارج وتسهيل معادلة الشها

ـ تسهيل تعديل المسارات أثناء الدراسة

ـ تكوين جيل جديد من الخريجين قادر على التأقلم مع عالم متغير

عبارات فضفاضة… أكانت مستويات التّخرُّجِ على درجةٍ من الغموض و كان الطابع الوطني مهدَّدً بالإندثار؟ ألازال نظام التّكوين على نفس الدّرجةِ من الجودةِ كي يُقارَن بنظام التّكوين الياباني أو الكندي أو الفنلندي؟ أين سوق الشّغل الّذي سيندمج فيه خرّيجون يبلغ عددهم أضعاف قدرة هذا السّوق على الإستيعاب؟ أين شهادات الجامعات و المدارس التّونسيّة الّتي كان مُعتَرفًا بها في أعرق المؤسّسات التَّعليميّة دُوَلِيًا؟ و كيف يتأقلم شباب مع عالم مُتغَيِّرٍ بعد أن يجد نفسه مُؤثِّثًا للمقاهي على قارعة الطّريق؟

هذه مجموعة من الأهداف الّتي يسعى نظام “أمد” إلى تحقيقها و الّتي فشِل في أغلبها فشلًا نتج عنه اُحتقان في صفوف الشّباب إقترن بتردّي الأوضاع الإجتماعيّة و الإقتصاديّة فكانت الثّورة

ضعف في التكوين الأكاديمي و السعي إلى تحصيل الشهادة

كما يلاحظ أغلب الأساتذة الجامعِيٍين عدم تمكُّن الطّلبة من اللّغات ـ عكس الأجيال السّابقة الّتي تتمتّع بعربيّة أصيلة و تتحدّث الفرنسيّة بطلاقة ـ و عدم قدرتهم على التعبير عن أفكارهم نتيجةً لذلك و مع ذلك فإنّ هؤلاء الطّلبة ينجحون كُلّ سنةٍ و يتخرّجون و تشغل نسبة منهم مناصب إداريّة فتسقط ورقة التّوت عن عورات تكوينهم.

من المُلامُ في هذا؟ أهو الطّالب الّذي لا يبتغي من الدّراسة غير الشّهادة نتيجةً لمنظومةِ  تربويّةٍ لا تغرس غير هذه القِيَم أم الأستاذ الّذي ينزل بسقف توقّعاته إلى مستوى طلبته اِدراكًا منه أنّهم ضحيّة تعليمٍ قبليٍ مُشوّه؟ أم من أرسى منظومةً  تربويّةً تجعل النّجاح في متناول الجميع و التّشغيل لِمن اُستطاع إليْهِ سبيلا؟

اِنّ نظام أمد بتواضع ما يختبر فيه الدّارسين ما فتِئ يُنتِج عقولًا مملؤةً بالفراغِ، عقولًا تُختَبَرُ في قدرتها على الحِفظ لا على التّفكير، مُطالَبَةٌ باُجترار ما حُشِرَ فيها من معلومات لا بالتّعامل معها بروحٍ تحليليّةٍ و نقديَّةٍ

زِد على ذلك النّظام المُزدَوج للتّقييم و الإرتقاء الّذي يقسم العدد النّهائي إلى عدديْن بنسبةِ ٧٠ %  لدورةِ الإمتحانات النّهائيّة و ٣٠% للمُراقبة المُستَمِرّة  المتكوّنة بدوْرها  من عدديْن : ٢٠% للفروض الحضوريّة و ١٠% تُحدِّدُها صِيَغ أُخرى. بهذا فإنَّ ما اُختُبِرَ فيه الطَّالب في الفروض الحضوريَّة لا يراجعه للإمتحان النِّهائي و اِن دلَّ ذلك على شيئ فهو غياب البصيرة و اُختصار علاقة الطّالب بالمادّة على العدد لا على التّكوين

لا نقصد مما تقدٌم أن نلقي اللّوْم كلَّهُ على الطّالب فما هو إلّا ضحيّةُ معلومات تُحشَرُ حَشرًا في دماغه في فترةٍ قصيرةٍ هي سُداسيٌّ تكاد لا تتجاوز أسابيع الدّراسة فيه العشرة يسعى خلالها الأستاذ إلى تزويد الطّالب بأكبر قدرٍ ممكنٍ ِمنَ المعارفِ  حول المادّةِ فلا الأستاذ يتمكّن من حُسنِ آداء مهامه و لا الطّالبُ يظفر من العلم ما يلزمه

و كُنّا قد تطرّقنا في أوّلِ المقالِ  إلى اُختصار قيمة الفرد في تحصيله العِلميِّ و هذا الحُكم الإجتماعيُّ يدفع بعض الطَّلبة إلى الإلتجاء إلى وسائلِ الغِشِّ للمرور إلى المستوى الدِّراسي اللَّاحق لنجد أنفسنا مرّةً أُخرى أمام مُعضِلَةٍ هي السَّعي إلى النّجاح مهما كانت الطُّرُقُ بغضِّ النَّظرِ عن الإنفتاح و عن التَّكوينِ و مخاطر هشاشتِهِ حين يواجه الخِرّيجون الحياة العمليَّة بتكوينٍ عليلٍ

بالنِّسبة إلى أُطروحات الدُّكتوراه فإنّ ما يُقَدَّمُ اليوم أمام المؤطِّرين ليس في أغلبهِ إلّا متواضِعًا و يعود ذلك بالأساس إلى قِصَرِ مُدَّةِ البحثِ المتاحةِ حيْث لا تُعَدُّ ثلاث سنوات كافيةً لِإنجازِ أُطروحةٍ ترقى إلى مُستوى القيمة العِلميَّة للشّهادةِ ـ إذ تواتر وجود عشرات الصَّفحات الوارِدةِ في مؤلَّفٍ لشَخصٍ آخر يُدرِجها المُتَرَشِّحُ لنيْلِ شهادة الدّكتوراه على أنَّها من تأليفِهِ و إذا كان هذا حال المترشِّحين لنيْلِ أعلى شهادات الدَّوْلةِ فكيْف الحال بطلبة الإجازةِ ـ و من جِهَةٍ أُخرى فإنَّ هذه الفترة لا تسمح للأستاذ الباحِث بأن يقوم بواجبه على أكمل وجهٍ تجاه طلبتِهِ ليَنعكس ذلك على تكوينهم

اِنَّ هذه الحالة من التّردّي الّتي بلغها مستوى التّعليم في بلادنا خاصّةً التّعليم العالي لأشبَه بحلَقَةٍ مُفرَغةٍ من أسبابٍ و نتائجَ الكُلُّ مسؤول عنها و الكُلُّ ضحيّةٌ لها في آن

أكثر من مجرد نظام دراسي

يجدر الإشارة ختامًا إلى تطرُّق ميشال فوكو ـ في حوارٍ تلفزيٍ له جمعه بنعوم تشومسكي حول الطبيعة  الإنسانيّة ـ إلى الدّور الّذي تلعبه الجامعات وغيرها من المؤسَّسات في تدجين العقول و تنميطها مُرتديَةً عباءة الحياد و الحال أنّها اُستمراريّةٌ و اُنعكاسٌ للتّوجُّهات السّياسيّة و الإجتماعيّة  لمن هم في الحكم و وسيلة من وسائل ضغط الدّولة٠ فإذا كان نظام بن علي قد جعل من مهرجانات الموسيقى التّجاريّة و كرة القدم و المرأة السِّلعة أفيوناً للشَّعبِ و لم يولِ مكانةً للعلم و لم يراهن على الشباب كمُحدِّدٍ لمصيرِ وطنه، فحَرِيٌ بنا و نحن الشعب الّذي أطاح ِبزَعبع أن نستكمل المسيرة و لا نرتدَّ على مسار التّاريخ و ما نهضة الأمّة إلّا بعلمائها و شبابها، حريٌّ بنا أن نستأصِلَ الورم طالما أنَّ الإمكانيّة لا تزال مُتاحةً قبل أن نجِدَ أنفُسَنا على هامشِ الحضارةِ و على هامِشِ الإنسانيّة

Nada Bedchiche, étudiante en 2ème année Licence Fondamentale en Droit Public

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s