هو طالب بالسنة الأولى من الإجازة الأساسية في القانون بكلية العلوم القانونية و السياسية و الإجتماعية بتونس . طالب استثنائي على كل المقاييس. شاءت الأقدار أن يولد بلال بإعاقة بصرية ليصبح كفيفا منذ طفولته . لكن ذلك لم يثنه عن اجتياز العقبات التي اعترضته الواحدة تلو الأخرى دون كلل أو ملل  ليصل بلال اليوم إلى المكان الذي تمناه كثيرا و لم يدخر جهدا لبلوغه

  بلال اليوم يمتلك شعبية واسعة بين زملائه في الجامعة فقد عرف بدماثة أخلاقه و فصاحته الكبيرة التي عاينتها خلال الحوار الشيق الذي اجريته معه

س:منذ متى تعاني هذه الإعاقة ؟

ج:هذا المرض وراثي. منذ طفولتي أحمل هذه الإعاقة

س:ألا تزعجك تسمية “إعاقة” ؟ ألا يمكن أن نسمي ذلك اختلافا ؟

ج: هي إعاقة و إن أردنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها  فهي إعاقة لأنها تعوق الفرد عن استعمال حاسة متوفرة لدى نظرائه من بني جنسه . على المستوى المادي إذن هي إعاقة ولكن على المستوى الذهني فهي لا تنقص شيئا من قدراته . لذلك، فعلى المعوق أن يبذل جهدا  ليتمكن من الإندماج في المجموعة

س:تقصد ليضمن المساواة ؟

ج: المساواة لا تعني التساوي . أنا أحمل إعاقة و أنت لا تحملين إعاقة هنا هناك إختلاف بيننا  فأنت تمتلكين حاسة البصر و تتمكنين من معاينة ما يحيط بك من أشياء بينما لا أتمتع انا بهذه الحاسة.هذا الإختلاف لا يمنع من تحقيق المساواة بيننا 

س: أنت إذن تتحدث عن تكاقؤ الفرص

ج:بل أكثر من ذلك هو تكافؤ في القيمة. نحن متساوون في القيمة الإنسانية لكن بيننا اختلاف . هذا الاختلاف يمكن أن أواجهه كمعوق و أبذل جهدي لأتغلب عليه، و يمكن أن أتقوقع على نفسي و لا أحاول مواجهته

س: وهو ما يدفعني إلى التساؤل عن سر هذا الإصرار على النجاح و تذليل الصعاب

ج: دور العائلة هو دور جوهري و رئيسي في تكوين شخصية الطفل خاصة إذا ما تعلق الأمر بتنمية الثقة في النفس لدى الطفل المعوق. فالصعوبات و العراقيل التي يتعرض إليها في المجتمع من شأنها ان تضعف  ثقته بنفسه .و العائلة تكون بمثابة” مولد ثقة “للطفل

س:عائلتك إذن هي ينبوع الثقة و الحنان الذي لا ينقطع و لا يجف

ج:عائلتي تساندني و تمنحني القدرة على تجاوز النظرة المتخلفة للمجتمع بمفهومه الواسع ليصل الأمر إلى العائلة الموسعة . أنا أصيل ولاية الكاف لكن عائلتي انتقلت إلى رادس لتتمكن من متابعة حالتي الصحية  و توفر لي الظروف الملائمة  للدراسة

س: حدثني عن طفولتك بلال

ج:عندما كنت في سن مبكرة كنت أعاين الكثير من الممارسات التي تحط من ثقتي بنفسي و كنت على وعي بذلك لأني كنت أعامل خلافا للمعاملة التي كانت توجه للأطفال ، لا أقول الأسوياء، و لكن غير الحاملين لهذه الإعاقة ، لذلك كنت أشعر دائما بأنني متأخر في الحصول على المعلومة

س: هل كان ذلك يزعجك؟

ج: بل جعلني أتساءل عن السبب الذي جعل هذه المجموعة تعاملني بطريقة مختلفة عن الآخرين

س:أين زاولت دراستك بلال ؟

ج:درست في مدرسة النور للمكفوفين بتونس و هي مدرسة خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة البصرية . و هي مدرسة تابعة لوزارة التربية . فنحن نتلقى نفس التكوين على مستوى محتوى البرامج و المضمون لكن نتلقاها بطريقة “براي”. بالنسبة لهذه المدرسة تعرضت فيها لما من شأنه ان يحط من كرامة الإنسان و يحط من عزيمته و رغبته في التقدم و النجاح

س: من طرف الإطار التربوي ؟

ج: أجل فقد كان من بين زملائي “نوابغ” و لكنهم كانوا ضحية الإعتداء على الحرمة المعنوية و التحطيم النفسي من قبل الطاقم التربوي .انتقلت بعد ذلك إلى المدرسة الإعدادية الوطنية للمكفوفين بتونس التي كانت محاذية جغرافيا للمدرسة

س: و كيف كانت المعاملة هناك ؟

ج:تحسنت المعاملة و كانت جد طيبة في الحقيقة سواء من القيمين أو الأساتذة لجميع التلاميذ الذين لا يفوق عددهم 125 تلميذا

 س:الظروف كانت طيبة إذن و ملائمة للدراسة

ج: ظروف ملائمة على المستوى المعنوي فقط أما على المستوى المادي فكنا نعاني من تردي البنية التحتية و النقص الكبير في التجهيزات

س: واصلت الدراسة إذن بتميز و اخترت شعبة الآداب؟

ج: الشعبة الوحيدة التي يمكن اختيارها هي “الآداب” لأن الشعب الأخرى ربما تحتاج إلى حاسة البصر للقيام بالتجارب العلمية و غيرها من الأشياء. لكن ذلك لا يعد سببا مقنعا فنظراؤنا في العالم تمكنوا من إيجاد الحلول الملائمة لتجاوز هذه الإشكاليات

س:هل كنت ترغب في اختيار شعبة علمية ؟

ج: كنت متميزا في المواد العلمية  لكني رغبت منذ البداية في دراسة القانون بجامعة الحقوق و العلوم السياسية بالسربون لكني لم أمكن من إجتياز المناظرة الفرنسية نظرا لتعرضي لتوعك صحي حاد لكني لم أخسر شيئا و التحقت بكلية العلوم القانونية التي أعتبرها كلية نخبة

س:كيف كانت الحياة في الجامعة ؟

ج:تمكنت من التأقلم بسهولة و بيسر و ذلك يعود لنوعية الطلبة. الإدارة كذلك أبدت قدرا من التفهم .فقد وفرت لي كاتبا خاصا للامتحانات ،لكني كنت أتمنى أن يكون أكثر قدرة و اقتدارا إذ  أضطر إلى الإملاء الحرفي وهو ما من شأنه أن يهدر الوقت . لكن الإشكال الأكبر يكمن على مستوى كراس التمارين و المراجع . و هذا المشكل لا يقتصر على هذه الكلية و إنما يهم كل المؤسسات الجامعية التي لا توفر مراجع خاصة بالمكفوفين . ربما ينبغي أن نعود إلى وزارة الإشراف لنتمكن من الوصول إلى حلول

س: كيف تعد تمارينك إذن ؟

ج:هناك تعب كبير فأختي تقرأ لي محتوى كراس التمارين و الأمر يحتاج إلى استعداد نفسي و بدني من كلينا. و هذا الأمر يخلق صعوبات كبيرة . كما أن عملية القراءة تستغرق و قتا طويلا و تحويل النصوص إلى كتابة بطريقة “براي” يستغرق و قتا أطول . لذلك لا أتمكن في بعض الأحيان من مطالعة كراس الدروس بأكمله . ربما لو كنت قادرا على مطالعة المراجع لتمكنت من الحصول على علامات أكثر تميزا رغم انني و الحمد لله تحصلت على علامات جيدة لكني دائما أبحث عن التميز

س: هل تمارس نشاطا جمعياتيا ؟

ج:لست منخرطا . و لكني أراقب الجمعيات الخاصة بالمكفوفين و التي لا تقوم للأسف بالدور المناط بعهدتها . فهي مجرد جمعيات صورية تخدم مصالح شخصية و لا تماؤس الضغط الازم على الدولة بل أصبحت تتاجر بالقضية

س: ما هي طموحاتك و أحلامك؟

ج: أود الدخول إلى المعهد الأعلى للمحاماة .وأرغب كذلك باستكمال مساري الدراسي إلى النهاية بالحصول على شهادة الدكتوراه و التدريس في الجامعة . و سأصل بإذن الله إلى مرادي . أعي بأن الصعوبات عديدة ، سأصارع وحدي هذا أكيد و لكن دعم الدولة مطلوب    

 

Advertisements