مللنا التحاليل النظرية

مرت ست سنوات الى حد الان ..ست سنوات منذ ان احدثت ثورات العالم العربي تغييرا و انتقالا تاريخيا ..كانت بداية هذا الانتقال التاريخي بلدنا تونس. نوعا ما نجحت ثورة تونس او على الاقل لم تكبد شعبها الخسائر الكثيرة مقارنة بغيرها من ثورات الدول العربية ..هذا فقط ما يروى لنا ، يجعلون منا نصدق ان ثوراتنا او بالاحرى انتفاضاتنا قد نجحت ، و لكن هل هذا صحيح ؟ هل ان حقا ثورتنا قد كانت ناجحة ؟ و ما معنى ان تكون ثورة ناجحة ؟ و على اي اساس يقع تقييم نجاح ثورة و اخفاق اخرى ؟ يطول التساؤل
لن اعرج على ان كانت ثورتنا ناجحة ام فاشلة و لن اكون مجحفة في حقها و لن استعرض ما حصل و ما يحصل فكلنا على دراية كافية بما حصل و ما يحصل ، كلنا صمت آذاننا من سماع تحاليل نظرية اعلامية كانت او سياسية ، كلنا حفظنا عن ظهر قلب اسباب اندلاع الثورة و مطالب الثورة و نتائج الثورة و آمالنا من الثورة و غيرها .. لم يبق احد لم يكتب في الثورة ، او لم يركب احداث الثورة ، كل ينادي لمصلحته بتحقيق اهداف الثورة لا لشيء سوى انه يسعى جاهدا الى نيل تصفيق الجماهير .. نراهم يخصصون الساعات الطوال على شاشات القنوات التلفزيونية لتحليل “الثورة التونسية ” و نراهم يخصصون المزيد من الساعات لمزيد من التحاليل النظرية
شخصيا قضيت اربع سنوات استمع الى التحاليل النظرية ،، و كنت مع كل مداخلة لمحلل سياسي او حقوقي او اي كان اتخيل ما ينظر له محققا على ارض الواقع فاجدني في وطن يسمى بالجنة المفقودة على وجه الارض … و لكن هيهات .. فما يحلل و يدرس في منابرنا الاعلامية ، السياسية يكاد يكون سرابا او هو كذلك .. هم فقط يصنعون لنا الحلم على اقيستنا و نحن نستهلك ذلك الحلم للخروج من تعاسة واقعنا ، صرنا نعلم جيدا ان ما يقال و ما يحلل كله كذبا و لكننا لم نعد نهتم ، في نهاية الامر ما يعرض علينا هو بالكذب الحلو المستساغ الطعم الذي يبعدنا عن الواقع و يجعل منا شعب حقق اهداف ما انتفض لاجله و غير واقعه و لو ..كذبا

ما الحل ؟

يؤكد التاريخ ان ما قيل صائب بخصوص ان مراحل ما بعد الثورة اهم و اصعب بكثير من الثورة نفسها ،، و انا اسلم شخصيا بصحة هذه المقولة اذ ان الاهمية البالغة التي تحضى بها انتفاضة الشعوب في اوطانها رفضا لواقع معيش و محاولة لتغيير الاوضاع السائدة التي لا تتماشى مع متطلبات العصر لا تقتصر على تحليل ما حصل و ما يحصل و ما الذي سيحصل لتتوج اخيرا بالتصفيق الحار.. لا هذا ليس بالدافع الذي جعل من تلك الانتفاضة تقام بل ان هناك دوافع اكثر اهمية من ان تحلل و تناقش و لفرط اهميتها لا يمكن ان نبدد الساعات الطوال في تحليلها و لا تستحق الوقوف على تحليلها ست سنوات لانها بالمسائل الاستعجالية الملحة التي لا تنتظر منابر تحليلاتكم
و ماذا اعني بالتحليل المرفوض ؟ اعني ذلك التحليل الذي يجعل من القضايا مواد اعلامية سياسية تعرض على الشعوب ، اداة يستعملها المترشح لنيل الاصوات ، طعما يرميه مستعمله لاستمالة تعاطف المشاهدين ، استعراض للقوى فقط و ليس بالتحليل الذي ينتج عنه وضع مشروع دقيق ليقع العمل على تحقيقه وفقا لمعطيات تتجسد على ارض الواقع و انما غاية ما يحلل ان يبقى مجرد تحليل لا غير ربما ينتهي بربح جوائز دولية عن السلام او حقوق الانسان .. هناك مطالب قامت على اثرها انتفاضة هذا البلد لا تستحق مجرد التحليل بل العمل و العمل الفعلي

ما احوجنا للعمل الفعلي

 اليوم ، لا بد من العمل الجاد نحو تحقيق ما نسعى الى تحقيقه فعليا لا بد لنا اليوم من جدية العمل بعيدا عن ساحات السياسة و الحقوق و الاعلام و ليس في ما اقوله اقصاء للعمل في ظل هذه الساحات و انما لا يكفي فقط العمل على هذه الساحات دون غيرها .. حيث ان تغييب بقية الساحات يمكن ان يؤدي الى تغييب الساحات السالف ذكرها .. فهي في غاية الاهمية و حتى انها منها هي تفترش ساحات السياسة و الحقوق و الاعلام ارضيتها و لكي تكون ارضية هاته الساحات خصبة لا تقتصر على التنظير وجب اعطاء الاهمية القصوى لساحات الفكر و الدراسة و التحليل العلمي المنهجي الكاديمي . اليوم، نحن في حاحة الى الثفافة و كل العلوم : الاقتصاد ، الاجتماع ، التربية ، الدين ، الفنون
نحن رهن الواقع و الواقع الراهن يحتم علينا كلنا المبادرة بالعمل و العطاء و الانتاج . ما نحتاجه هو ان ينهض فينا الفكر بوصفه مكمن الداء و الدواء ، اصل كل مشكلة كان قابع في الفكر و الفكر نفسه هو الحل لجميع المشكلات .. اي اننا لانجاح مخططات حقوقية اجتماعية سياسية اقتصادية علينا ان نخصص ارضية فكرية ما ، تبنى على اثرها ما قدمته تلك المخططات و المشاريع .. نحتاج وعيا جماعيا بضرورة العمل كل في مكانه ، نحتاج ان لا يغيب اي علم من العلوم ، نحتاج لكل المجالات . لا يقتصر رقي مجتمع ما على حقوقييه او ساسته او اعلاميوه بل الكل يجب ان يكون ذو دور فاعل
تحتاج بلادنا الى نهضة فكرية ، ثقافية .. نحتاج ثقافة الحوار ، ثقافة الاختلاف ، نحتاج ان نرى منافسة لا على كراسي الحكم بل من اجل الابداع و النهضة بالوطن نحن اليوم الى جانب التغيير السياسي و المطالب الحقوقية  و حرية الاعلام نحتاج ثورة فكرية و اجتماعية و نفسية و ثقافية . نحتاج ذلك المجهود العظيم المتمثل في طاقات الباحثين و العلماء و الدعاة و الاطباء النفسيين و الكتاب ..نحتاج الى ثورة لا تقتصر على مجال دون اخر ، نحتاجها و نريدها شاملة حتى لا تشتت قوانا و لا نفقد ثقتنا ببلدنا . الثورة ليست حقل تجارب ، ليست حركة منددة بالنقائص فقط بل هي تنظيم و حوار و توافق الثورة الحقيقية ليست تلك تدافع عنها النخبة لا ، ثقافة الثورة يجب ان تتجذر في كل فرد حتى يعي ما عليه و ما لديه . نحن اليوم لم نعد نريد المزيد من التحاليل النظرية ، نريد اساتذتنا و علماءنا ، نريد رجال الفكر و المنطق و الحساب ، نريد مفكرين . نريد احترام الاخر ، لا نريد صراع اديان داخل اوطاننا ، لا نريد تهميشا ، يكفينا تخلفا لم يكن سببه سوى كبت لحرية الفكر
 نريد لعقلنا العربي التونسي الخروج عن مسار الماضي ، نريدا شبابا مثقفا و ليس مدعيا للثقافة ، نريده رائدا في كل المجالات نريد ان نجد شبابنا يساهم فعليا في رسم معالم ثقافة جديدة ، ارضية جديدة لمستقبل بلدنا .. نريد دعوة الى تغيير نمط التفكير السائد نريد تغييرا واقعيا ،، اليوم نريد ان
نتسلح بالعقل ، بالفكر .. نريد بدل الثورات جمعاء .. ثورة واحدة .. ثورة فكرية .. و ما احوجنا اليها

*Image à la Une : “Le salon de Madame Geoffrin” réunissant philosophes, artistes et savants du siècle des Lumières

Olfa Saidani, étudiante en 2ème année Licence Fondamentale en Droit privé

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s