إنّ التهميش يعني الإقصاء و الإحتقار، و هنالك عدّة أنواع من التهميش مثل التهميش الثقافي و الإعلامي و العاطفي الخ.. و هنا في تونس نحن دائمي الحديث عن التهميش خاصّة التهميش للجهات الغربيّة للبلاد، و بالتحديد نتحدّث عن التهميش الإقتصادي للجهات لكنّنا كثيرا ما نتناسى تهميش أساسي تعرّضت له هذه الجهات، و في الحقيقة هو تهميش تعرّضت له كل الجهات، و هو التهميش السياسي، التهميش من المشاركة في السلطة و في إتخاذ القرار

كانت الثورة التّي حدثت بين ديسمبر 2010 و جانفي 2011 ضد لفساد، ضد الفقر، ضد البطالة، ضد الإستبداد و الديكتاتوريّة الخ.. بإختصار ضد التهميش و الإقصاء على مختلف الأصعدة. و قد يتخيّل البعض أنّ من بين كل هذه المطالب لم يتحقق إلا مطلب إسقاط الديكتاتوريّة و الإستبداد، أي التهميش السياسي، لكن في الحقيقة حتى هذا المطلب لم يتحقّق بصفة كليّة، ذلك لأنّنا لازلنا نعيش تحت ديكتاتوريّة العاصمة و إستبداد الإدارة المركزيّة على الجهات و السلطات المحليّة. و في الحقيقة، هذه المركزيّة الشديدة ليست جديدة على تونس، فالجمهوريّة الأولى لم يعطي دستورها (دستور 1959) للسلطة المحليّة إلا فصلا يتيما ألا و هو الفصل 71. كان الفصل 71 فصلا غارقا في العموميّات يغيب عنه التدقيق و التنصيص الصريح على مهام السلط المحليّة و إكتفى بالقول أنّها “تمارس.. المصالح المحليّة وفق ما يضبطه القانون”. لم يعطي دستور 1959 للسلطات المحليّة الأهميّة و الصلاحيات اللازمة التي تجعل منها بالفعل ” سلطات” و “محليّة”.. بل كانت مجرّد توابع للسلطة المركزيّة تتلقى منها التمويل و بالتّالي الأوامر و ما عليها إلا التنفيذ. لم تكن تونس قبل الثورة تعرف معنى السلطة خارج العاصمة، بل لم تكن حتى تعرف معنى السلطة خارج أيادي الرّئيس، لم يكن التوانسة يروا في البلديّات إلا كمجرّد إدارات محليّة تتبع إدارة أعلى منها و تتلقى منها الأوامر و هي وزارة الدّاخلية و التنميّة المحليّة، لم يكن للبلديات حينها أهميّة كبيرة فجلّ ما يعرفه التوانسة عن دورها هو أنها مجرّد مكان يستخرجون منه وثائق رسميّة. المجالس الجهويّة لم نكن نعرف عنها شيء، بل أجزم أن أغلبية التوانسة لم يسمعوا بها أصلا، إذ لم نكن نسمع بها إلا عند إجتماعها ب”سيادة رئيس الجمهوريّة و تثمينها لخيارات التحوّل المبارك و شكرها لسيادته على الدعم المتواصل للولايات الخ..” هذا هو ما كانت تقوم به المجالس الجهويّة في السّابق

بعد الثورة تغيّر هذا الأمر بصفة جذريّة، على أقل في مستوى التشريعات و خاصة في دستور الجمهورية الثانيّة الذّي احتوى بابه الثامن المتعلّق بالسلطة المحليّة على 12 فصلا تناولت موضوع السلطات المحليّة بأكثر دقة و وضوح و أعطاها الصلاحيات التّي كانت تحتاجها للقيام بمهامها، فأكّد الفصل 131 على مبدأ اللامركزيّة و أنشأ تقسيم إداري جديد و هو الأقاليم و منح الفصل 132 للسلطات المحلية الشخصية القانونية إضافة إلى الإستقلالية الإدارية و المالية و شدًد الفصل 133 على أن المجالس البلدية و الجهويّة منتخبة مباشرة من الشعب (في السابق لم تكن إلا المجالس البلدية منتخبة شعبيا) بما يعطيه مشروعيّة شعبية و ديمقراطية في التصرّف أما الفصل 134 لقد أعطى للجماعات المحليّة صلاحيات ذاتيّة و أعلن عن إنشاء مجلّة رسميّة خاصة بالجماعات المحليّة و كذلك منح الفصل 135 الجماعات المحليّة موارد ذاتية إضافة إلى موارد أخرى محالة إليها من السلطة المركزيّة و في نفس الإطار نجد في الفصل 137 أنّ الجماعات المحليّة لها حريّة التصرّف في مواردها حسب مبدأ الحوكمة الرّشيدة و لا تخضع في هذا الإطار إلا لرقابة القضاء المالي. (و سنتعرّض في مقال لاحق لمضمون مشروع مجلّة الجماعات المحليّة و الجديد الذّي جاءت به على مستوى اللامركزيّة) بإختصار أحدث دستور 2014 نوع من الثورة في مستوى اللامركزيّة لكن المشكلة هي أنّ هذه الثورة لم تتجاوز الحبر الذّي كتب به الدستور، بحيث إلى الآن لم يتم المصادقة على مشروع مجلّة الجماعات المحليّة و لم يتم المصادقة على مشروع قانون تنقيح قانون الإنتخابات و الإستفتاء إلا منذ أسبوع من قبل المجلس و لا يزال ينتظر توقيع رئيس الجمهورية، و حتى على المستوى العملي لم ينجز الكثير فإضافة إلى تأخير إجراء الإنتخابات المحليّة منذ سنوات و لم يتم حتّى الآن تركيز البلديّات الجديد التي أعلنة وزارة الشؤون المحليّة عن إنشاءها

كل هذه التعطيلات و التأخير الذّي يتعرّض له الباب الثامن من الدستور يثبت شيئا واحدا و هو أنّ الطبقة السيّاسيّة الجديدة التّي برزت بعد الثورة ليست جديدة جدّا فلا زالت تحمل عقليّة التسلّط على الجهات و منعها من المشاركة في السلطة و هي عقليّة متوارثة عن النّظام السابق. و هذا أيضا يدل على أن النخبة السيّاسية التونسيّة لم تعرف و تتفطن لأهميّة اللامركزية في تحقيق مطالب الثورة الأخرى خاصة مكافحة الفساد و الفقر و البطالة و التهميش الإقتصادي و الإجتماعي. و هذا يجرّنا إلي سؤال محوري و هو لماذا علينا تبني اللامركزية ؟ في بعض الدول تم تبني النظام اللامركزي لكي يعطي للأقليّات الدينيّة أو الإثنية الإمكانية لكي تحكم نفسها بنفسها بدون أن تشعر أنها تحت هيمنة أغلبية قد تتعرض للتهميش من قبلها. في تونس لا يوجود لدينا أقلية عرقية أو إثنية لها مناطق أو جهات خاصة بها، فالتركيبة الاثنية و الدينية في كل الجهات تقريبا هي نفسها. إذا العامل الرئيسي الذّي يدفعنا لتبني اللامركزية هو العامل السياسي-الإقتصادي و هذا يبرز خاصة في مطالب بعض الجهات بتمتعها وبجزء من ثرواتها هذا يدفعنا مباشرة للحديث عن فوائد اللامركزية. الفائدة الأولى و بدون منازع هي إدارية و تتمثل في جعل الإدارة أكثر فاعلية، بحيث تصبح أقرب للمواطنين، فمنح الإدارة المركزيّة لجزء من صلاحياتها للسلطات الجهوية سيقلّص بشكل لافت من التعطيلات الإدارية و البيروقراطية التي تسببت في تعويق إنشاء و قيام عديد المشاريع التنموية و الإقتصادية. هذا إضافة إلى تخليص الإدارة المركزية من معاناة الإهتمام بقضايا و مسائل محليّة

Nidhal Bechrifa , étudiant en 2ème année Licence Fondamentale en Droit Public

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s