في شرفة اليقظة المزعجة .. هتف لها ركن لئيم على ذلك الكرسي الخشبي أين ٱعتادت ٱنتظار قدومه الخريفي الطلة .. جلست و جالسها الغروب . ٱنتظرت زوال الشمس إلى المغيب ، تأملت المشهد بكل رومنسية مع كم هائل من الآمال .. إنه الجمال المؤقت المنتظر من العاشق و الفيلسوف و الأديب ، من الحزين و السعيد و التائه و الغريب .. إنه الجمال الفريد للحزن السعيد

جمال النهاية , نهاية بنكهة غير إعتيادية ، نهاية بنكهة ألم على ضفاف أمل قريب يحاكي ما أضحت عليه ، نظرت إلى إستدارة القرص الذهبي الذي ذهب في الزوال و ساءلت جمالها الذي تغزل به غريب عابر فآلت إلى السيرورة دون حيلولة الهرب من زواله كلما تناهى إلى الإبتعاد في غياهب العدم أو لنقل إلى النصف الآخر المضاء إلا و ٱزداد القرص في حمرته و كان ينزف دماء ٱحتضاره ، دماء ٱنتحاره .. دماء ٱنتصاره بحرقة على الزمن ..تزداد حمرة دماء الغروب حزنا على الأمل بلا جدوى في القدوم في صباح قرمزي جديد ..تزداد الحمرة الجمرية الملتهبة ٱلتهاب فؤادها و أفئدة المتأملين في جمال “الألم” .. على حرارة ما تريد الشمس إيصاله ..إنها تتألم.. إنها في غروبها تتكلم و تعلن لغة الصمت الصاخب

و لكن لا جدوى فكلما ٱزدادت ٱبتعادا و ٱحتضارا و نزيفا ٱزداد عشاقها و المتأملون ..إن غروبها عنا يبدو أكثر أهمية في علاقته بمعنى من أرقى معاني الوجود-من قدومها .. حيث يستوطن لوحات الفنانين و تتبناه سمفونيات الموسيقيين و تنهدات العاشقين و فتاوي الأيمة و قراءات المتأملين .. إن ألمها يروقنا أكثر لذلك ليس علينا أن نستغرب حب الألم و ٱستبشاره فنجدنا نتأمل صور الأطفال الباكين و المدن المقصوفة و الأقمصة البالية و الأرغفة المخضوضرة و الأقمشة البالية .. “الأرغفة المخضوضرة و الأقمصة البالية..!” و صحت فيها سنون سبعة ..و كأنها الآزفة حانت في تلك اللحظة، أبلج تاريخها المظلم ظلمة تلك الليلة التي أتت تلو ذاك الغروب .. و لكن سرعان ما خانتها نفسها الشيطانية مرة أخرى لتعود بالذاكرة إلى ذلك الحي .. إلى تلك الطفلة ، إلى تانك البراءة و البساطة ، تذكرت وجه أمها الشاحب ووجه أخيها الوحيد الأكبر الذي تجمعت فيه كل معاني الرجولة و الشهامة ، كان جبلا من القوة و كومة من الكبرياء، لم يكن ذاك الذي يسمح بٱنحناءة من أجل ما يزول ..كان على قناعة لطالما أراد زرعها فيها لكن دون جدوى ، إنه إيمانه بحلمه .. بأن يصير ما يريد .. وعدها بإخراجها من عتمة الفقر و شراسة الحاجة ، تذكرت آخر يوم تراهما فيه ، حين راقبت وجهه بعد أن أفاق من نوم عميق سبقه سيلان لدموع سقت مخدته و على صوت دافئ لأرملة عاشرت الألم لتخلق منهما أملا ..ٱرتدى القميص البالي الذي لا يملك غيره ..ألقى نظرة تأس على ثنايا تجاعيد وجه جسد أوهنه المرض و حفر فيه الشقى معالم الخصب ، قبل كفها بعد أن تناول منها ما تيسر من دنانير ..تاركا المنزل .. قاصدا مكتب العهر أين يعقد قران الملفات بالرشاوي لتنجب القبول .. يحمل في يسراه ثمرة عقدين من الزمن لم يحن قطافها و في يمناه تتراقص حبات المسبحة بين السبابة و الإبهام حاملة أدعية تعانق أطراف السماء ترنو التسلل إلى باب العرش العظيم.. كان القدوة و المثل الأعلى للأخت الصغرى

و في ذلك اليوم لم يعد كذلك بأتم معنى الكلمة ، فالصوت الأبكم الذي لطالما خنقه و لازال لم يتحرر من الحنجرة و ٱلتهاب الصرخات المرتطمة بجدار الحنجرة يسكتها غالبا بإشعال سيجارة ..تتسابق خطواته نحو مكتب التشغيل تلاحقها آمال تتجاوزه .. تطايرت أمامه أشلاء أحلامه الطفولية الهوية المنفجرة في حرم الواقع ، لتلحق بها صرخة تشتهيه حين يتذكر شحوب وجه الأرملة التي لا يتجاوز ألمها فؤادها ..ليتذكر وجه شقيقته التي رأى فيها معالم للبراءة لكن تجمع في عينيها كل أحزان العالم . وصل إلى المكان المقصود و هو على مشارف الإنفجار ، كان الهدوء الذي وضع به ملفه و خرج ما يسبق العاصفة ..خرج مسرعا ألقى بالمسبحة ، لعن القدر ألف مرة و تقرف من الصدف و ٱقتادى الألم نحو حانة صغرى و قال في نفسه “إلى تبغي و خمري ” و ٱنفجر في الصرخة التي لطالما ٱشتهته .. لا لطالما ٱشتهاها ..و صحا في نفسه عقدان من الزمن فتناثرت ذكرياته تسرد شريط التضحيات ..إلى أن ركله القدر في تلك الحانة ليرى الأخت الصغرى البريئة ..ذات جنون و بفرح شيطاني تبرق عيناها ألوان شر إبليسي لم يسبق له به عهد ..لم يصدق ما كان يراه تناهى في نفسه ان يكون من مفعول السكر ..صرخ بكل ما أوتي من قوة لتسمعه في ضوضاء العابرين بها ..و سقط مسجى على بقايا كبرياءه في تلك الحانة .. نفضت عنها ما تبقى من غبار الحنين و أتربة من أواني السنين ..فشبت في نفسها عواصف تقلع ما لهم عندها من حب و عواطف ..نزعت الكعب العالي لتمشي على زجاج أخطاءها حافية و من حياءها عارية فرسمت بدماء الندم و نداه أملا على لوح قدر جديد .. كسرت قمقم البراءة و البساطة .. ٱنتهجت دروب بنات الهوى ، باعت ما يمكن أن تبيعه فتاة عشرينية في مقتبل من الجمال ..لتجد نفسها عالقة بحب غريب لا تعلم مآلهما من الحقيقة و لا مفاجآت القدر لها .. أغلقت نوافذ الذاكرة من جديد ، مسحت ما علق من دموع شائكة و ٱتجهت صوب ملابسها فتزينت و تجملت و تعطرت و خرجت ليلا إلى حانتها المعتادة منتظرة قدوم الغريب في ضجة العابرين بها .

Abir Aloui, étudiante dans la Faculté des Sciences Juridiques, Politiques et Sociales de Tunis.

Advertisements