يتداولون أنه  “لا يمكنك إنقاذ الناس من أنفسهم.”..  لكننا نكتب اليوم عن مختلف الظواهر و تداعياتها على المجتمع حتى نستطيع أن نصلح ما وقع إتلافه و نجد حلول لمختلف المشاكل التي تفقد كل ماهو إنساني في  الإنسان. تلك الجملة التي أوردتها في السطر الأول من المقال هي موقف من لا موقف له, فكثيرا منا يؤمن بأن استمرار التفكير في آلام مرضك يزيد من الآلام و لكن ذلك ليس صحيح فعادة ما تكون مرحلة  التفكير في المشكل بداية الوصول إلى الحل, و هذا ما يجعلنا اليوم نغوص في مسألة هامة تلبست بطبيعة إنسانية و بظرفية سياسية, اقتصادية

 يمر التونسي اليوم بأزمة ” الاستهلاك و استنزاف الجيوب”, خصوصا و أن بعد 6 سنوات على مرور الثورة لا نزال عالقين في نفس المشاكل التي كنا نعاني منها قبل اندلاع أحداث  14 جانفي 2011 , و لعل أبرز  ما يميز  المواطن التونسي في هذه الفترة أنه قد صار إشكال بالنسبة إلى نفسه حيث يتملكه الشعور الدائم بفقدان الأمل في تحسن الأوضاع على الصعيد السياسي و الاقتصادي و الأهم من هذا أنه يتملكه شعور بضياع الذات وسط نسق حياة  سريع و متلاحق يجعله يعاني من إجهاد يزعزع قرارة  النفس و استقرارها

كيف لي ألاّ يكون لديّ هذا الشيء أو ذاك وغيري يمتلكه؟ ، ووفق هذا السؤال يسير التونسي في طريق ” الاقتراض “, و يسعى جاهدا للحصول على القرض  ولكن ليس لشراء مسكن أو قطعة أرض تضمن له إقامة مشروع أو مسكن في المستقبل, بل لشراء سيارة فخمة  عن طريق شركات الإيجار المالي, فيقع اقتطاع مبلغ هام من راتبه الشهري , قدرته أحد وكالات الإحصاء الخاصة  سنة 2014 بنسبة 41 بالمئة  من رواتب ذوي الدخل المتوسط شهريا . و شركات الإيجار

المالي التي تعرف بـاسم

 « Leasing »

 بالرغم أنها  من أبرز الجهات المالية الناشطة  في تونس إلى جانب البنوك ، والتي نجحت في استقطاب الآلاف من التونسيين خاصة المستثمرين في المؤسسات الصغرى والمتوسطة من خلال الحوافز والميزات التفاضلية التي تطلقها هذه الشركات لفائدة حرفائها  ولعل شراء سيارة بالتقسيط بدون مقدم هو أحسن مثال

0% autofinancement

. إلا أن المواطن اليوم يجد نفسه عالقا بالديون , فلا نبالغ حين نقول أنه ” يعمل ليسدد الديون المتخلدة بذمته “, و الأهم من ذلك أن مديونيته  لا تقف عند هذا الحد بل تمتد إلى حسابه البنكي . فيلتجأ اثر ذلك الى القروض الاستهلاكية , و التي شهدت تزايدا مستمرا خلال الآونة الأخيرة، ولاسيما خلال إجازة الصيف وشهر رمضان المبارك، وذلك بسبب احتياجات الأسر لمقاضي الأعياد الرسمية (رمضان وعيد الفطر المبارك), وتنافس الشركات على طرح كل جديد منها، ناهيك عن منافسة المؤسسات التمويلية (أندا – للتمويل) حيث تنشط حركة الاقتراض في البنوك خلال الصيف لغرض السفر لاسيما وأن العروض الترويجية ترتفع خلال هذه المواسم، بل إن البنوك أصبحت تعلن عن قروضها الميسرة بطرق تضمن من خلالها الوصول إلى الفرد في أي مكان خاصة في فترة الصيف لفتح الطريق أمام شراء السيارات والسلع الاستهلاكية تحت مبرر تلبية متطلبات الحياة العامة، وأدى نمو تلك القروض إلى ارتفاع أرباح البنوك وشركات التمويل. ورغم ذلك فإن هذا النمو يقابله في الجهة الأخرى تزايد في أحجام الديون على المواطنين والمقيمين بسبب القروض الشخصية، التي لها آثارها السلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، إذ زاد عدد المتعثرين عن السداد نتيجة التضخم وغلاء المعيشة الحاصل. إن حجم الإغراءات التي تقدمها البنوك وشركات التمويل والتسهيلات في القروض إنما تعرض المجتمع وخاصة فئة الشباب إلى تحمل الديون وتراكمها حتى تصبح عادة يعتادها المجتمع في حياته ويسلكها في كل رغباته عند التفكير في شراء سلعة أو حتى الزواج أو تأثيث منزل. وهناك أيضاً الإعلانات التي تلعب دوراً رئيسيّاً في تشجيع الأشخاص وحثّهم على شراء هذا المُنتج فضلاً أيضاً عن العروض والحسومات التي تُغري إلى حدٍّ ما المُستهلك، ولا ننسى بالطبع كثرة المراكز التجاريّة التي تملؤها كميّات من المُنتجات تدفع التونسيين بشكل أو بآخر إلى شرائها

و نجد امثلة عديدة للمشاهد التبذير خصوصا في أعيادنا ومناسباتنا كثيرا ما تقترن بكثرة الاستهلاك إلى درجة التبذير الذي نهى عنه ديننا الحنيف. و التبذير في عصرنا هذا أضحى ظاهرة مزعجة لها كلفتها أمام تقهقر المقدرة الشرائية للمواطن و الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية

و أيا كان نوع التوصيف الذي نضفيه على هذه القروض و على النسق الاستهلاكي فإن الاستهلاك الداخلي يبقى ضروريا وهذا ما أكده   أحد  الاطارات للمعهد الوطني للاستهلاك في حوار جد بيننا    هذا اذا أردنا المحافظة على نسبة نمو تتراوح بين 1 و 1،5 بالمائة .لذلك يبقى الأمل معقودا على الزيادات المنتظرة في الأجور لتحسين القدرة الشرائية للمواطن و بالتالي ليتطور استهلاكه و لكن بعيدا عن التبذير

و للتقليص من حجم ظاهرة التبذير توصي الدراسة بتكثيف العمل التحسيسي حول مضار التبذير و إعداد الآليات اللازمة للمتابعة ووضع مخطط وطني للتصدي لهذه الظاهرة.  كما توصي بإصار نص قانوني في الغرض على غرار ما هو موجود في بعض البلدان الاوروبية مثل فرنسا و إيطاليا. فهذه الأخيرة تقدم التشجيعات و الحوافز لأصحاب المطاعم و أصحاب المساحات التجارية الكبرى قصد إحالة فواضل المأكولات و المواد الغذائية المستغنى عنها لفائدة الجمعيات الخيرية مقابل الإعفاء من الضرائب البلدية.

 

 

Advertisements